خلال أزمة كورونا، قدمت الصين نموذجًا مذهلًا لقدرة التكنولوجيا على تسريع الاستجابة العمرانية. فبينما شيدت المستشفيات الضخمة باستخدام وحدات مسبقة الصنع خلال أيام، لجأت شركات مثل Winsun إلى طباعة غرف عزل إسمنتية ثلاثية الأبعاد بمساحة 10 أمتار مربعة خلال ساعتين فقط للغرفة.
وتمكنت الشركة من إنتاج 15 غرفة يوميًا بطابعة واحدة. لم تكن هذه القدرة على الطباعة السريعة والفعالة إنقاذًا ظرفيًا فحسب، بل إشارة واضحة إلى ما يمكن أن تصنعه التقنية في وجه التحديات.
وفي المملكة، أخذ هذا التحول بعدًا استراتيجيًا، خاصة في مشاريع طموحة مثل نيوم وذا لاين، إذ تُستخدم أحدث تقنيات البناء والطباعة ثلاثية الأبعاد، لبناء مدن ذكية ومستدامة، بقدرات إنتاجية تفوق الأساليب التقليدية بأشواط.
في هذا المقال نستعرض أبرز تقنيات البناء الحديثة التي بدأت تأخذ موقعها في صلب المشاريع العقارية الكبرى، ونسلط الضوء على سُبل استفادة المطورين منها في المملكة وفي المنطقة لتقليل التكاليف، وتسريع التنفيذ، وضمان أعلى درجات الجودة.
نبذة عن تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد في البناء
في عالم البناء الحديث، يقف كل مبنى كنموذج رقمي ثلاثي الأبعاد، يُصممه المهندس باستخدام برمجيات متقدمة، يحدد فيها الأبعاد، والانحناءات، ومواقع الفتحات، وتوزيع الأحمال. ثم يُرسل هذا النموذج مباشرة إلى طابعة ثلاثية الأبعاد، وهي آلة ضخمة، تتحرك فوق مساحة البناء المجهزة مسبقًا، وتبدأ في صب الخرسانة طبقةً فوق طبقة، دون الحاجة إلى معدات تقليدية.
طابعات عملاقة تبني بلا توقف
تبنَّت مشاريع البناء في المملكة، وفي مقدمتها نيوم والرياض، استخدام طابعات من طراز BOD2 التي طورتها شركة COBOD الدنماركية. تتميز هذه الطابعة بأنها تعتمد على نظام ثلاثي المحاور (X, Y, Z) يتيح لها التحرك بحرية في الطول والعرض والارتفاع، ما يتيح بناء جدران متداخلة، وأشكال معمارية معقدة دون عناء.

تبلغ أبعاد هذه الطابعة العملاقة 27 متر طولًا، و12 متر عرضًا، و9 أمتار ارتفاعًا، ما يسمح لها بطباعة مبانٍ من طابقين أو ثلاثة بسهولة. وتستطيع الطابعة إنجاز طابق كامل خلال أقل من عشرة أيام، وذلك باستخدام فريق صغير مكون من 2 إلى 3 مشغلين فقط، دون الحاجة إلى الرافعات أو فرق البناء الضخمة.
بالإضافة إلى ذلك، تعمل الطابعة وفق مسارات مبرمجة مسبقًا، وتضخ الخرسانة عبر ذراع ضخمة، تتحرك بسلاسة كما تتحرك الإبرة في النسيج. وتراقب الأنظمة الحاسوبية معدل الصب، وسُمك الجدار، وزمن التصلب، وتُجري تعديلات فورية حال وجود أي خلل، ما يضمن مستوىً عاليًا من الدقة والجودة.
يخلق هذا الدمج بين البرمجيات والهندسة والمواد الذكية، أسلوبًا ثوريًا في البناء، يوفر الوقت، ويقلل التكاليف، ويُطلق العنان للخيال المعماري في تصاميم لم تكن ممكنة سابقًا باستخدام الطرق التقليدية.
نبذة عن تقنية الخرسانة الجاهزة
تتجه اليوم كبرى المشاريع إلى الاعتماد على الخرسانة الجاهزة لتسريع البناء ورفع جودة التنفيذ. تبدأ العملية داخل مصانع متقدمة، حيث يخلط الفنيون المكونات بنسب دقيقة، ويشرف المهندسون على مزجها وفق معايير ثابتة تضمن التجانس والمتانة في كل دفعة.
وبعد ذلك، تنطلق الشاحنات إلى مواقع البناء بينما تدور أسطواناتها باستمرار لحفظ تماسك الخليط. وعند الوصول، يوجه المشغلون أنابيب الضخ نحو القوالب مباشرة، فيصبون الخرسانة في مكانها دون الحاجة إلى تجهيزات مرهقة أو تأخير في الجداول الزمنية.
مزايا تقنية الخرسانة الجاهزة
تتفوق الخرسانة الجاهزة على الخرسانة التقليدية في دقتها وجودتها وثبات مكوناتها. ففي حين تُخلط الخرسانة العادية في الموقع وسط ظروف متغيرة، تُحضَّر الخرسانة الجاهزة داخل مصانع متخصصة، تحت إشراف هندسي صارم يضمن التجانس والصلابة.
يعتمد مسؤولو المشاريع الكبرى في العالم على هذه التقنية لتوفير الوقت وتقليل العمالة دون الإخلال بجودة التنفيذ. ويربطون حركة الشحن والموقع بأنظمة رقمية تتابع كل خطوة بدقة، كما تمنحهم القدرة على ضبط سير العمل لحظة بلحظة.
بالإضافة إلى ذلك، يبتكر المهندسون خلطات أكثر استدامة، فيستبدلون جزءًا من الأسمنت بمواد صديقة للبيئة مثل الرماد المتطاير، ويطورون التركيبات الحرارية لتقليل استهلاك الطاقة وتحسين الأداء في الأجواء القاسية.
في مواجهة التحديات
أما في المملكة، تخوض فرق العمل سباقًا يوميًا مع ظروف جغرافية ومناخية لا تعرف التهاون. فتقف درجات الحرارة المرتفعة كعقبة أولى، تؤثر على سرعة تصلب الخرسانة وجودة صبها. ويُضاف إلى ذلك اتساع المسافات بين مصانع الخرسانة الجاهزة ومواقع البناء، ما يفرض على فرق النقل والهندسة ضبطًا دقيقًا للوقت.
للتغلب على ذلك، ترسم الفرق التنفيذية مسارات الشاحنات بدقة، وتضبط جداول الصب وفق حسابات محددة تضمن وصول الخليط في حالته المثلى. وتنسق مع المصانع لتعديل تركيبة الخرسانة بما يناسب الطقس، فتضيف المواد المبطئة أو المسرِّعة للتصلب حسب الحاجة. وتجهز المواقع بمعدات تغطية وتبريد تتيح العمل حتى في أوقات الذروة.
كما يُتابع المشرفون حركة الخلط والنقل عبر أنظمة رقمية متصلة بمراكز مراقبة، فتصل إليهم البيانات لحظة بلحظة، ما يتيح لهم التدخل السريع عند أي خلل. ويعملون بتكامل وثيق مع موردي المواد الخام، وسائقي الشاحنات، ومهندسي المواقع، لتفادي التأخير وتجنب أي هدر في الموارد.
تحليل أداء التقنيات الحديثة
في ظل التحديات المتزايدة في قطاع البناء، تتجه أنظار المطورين العقاريين حول العالم نحو تقنيات البناء الحديثة، وعلى رأسها الطباعة ثلاثية الأبعاد، التي أصبحت خيارًا استراتيجيًا يقلل التكاليف، ويرفع الكفاءة، ويعزز سرعة التنفيذ.
تشير الدراسات إلى أن هذه التقنية تساهم في خفض التكاليف العامة بنسبة تتراوح بين 20 إلى 40 بالمئة، بفضل تقليل الهدر في المواد، واعتمادها على عمليات دقيقة مبرمجة مسبقًا. كما تؤدي إلى تقليص العمالة بنسبة تصل إلى 80 بالمئة، إذ لا تتطلب أكثر من مشغلين اثنين إلى ثلاثة لإدارة الطابعة، مقارنة بعشرات العمال في المشاريع التقليدية.
والأهم من ذلك، أن الطباعة ثلاثية الأبعاد تختصر الجداول الزمنية للبناء؛ إذ يمكن تشييد هيكل منزل كامل في أقل من أسبوع، بدلًا من عدة أشهر، ما يقلل زمن التنفيذ الكلي بنسبة تتجاوز 60 بالمئة.
تجعل كل هذه المعطيات من تبنِّي الطباعة ثلاثية الأبعاد قرارًا ذكيًا لمن يسعى إلى مشاريع أكثر تنافسية وربحية في السوق العالمي الحديث.
أمثلة لمشاريع الطباعة ثلاثية الأبعاد في البناء
في سياق تحول تقني عالمي، برزت مشاريع متعددة تبين الإمكانات الواقعية للطباعة ثلاثية الأبعاد في قطاع البناء:
في الرياض: شيدت شركة دار الأركان أول فيلا مطبوعة على الأرض ضمن مشروع شمس الرياض، بمساحة 345 م² وارتفاع 9.9 م (3 طوابق). وقد أُنجزت الطباعة باستخدام طابعة COBOD، في ظروف صحراء حارقة تجاوزت درجاتها 40 درجة مئوية، واستغرق بناء الطابق الأول ثمانية أيام فقط.

في جدة: افتتحت المدينة جامع عبدالعزيز عبدالله شربتلي، وهو أول مسجد في العالم يُبنى باستخدام تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد. يقع في حي الجوهرة بجدة، وتبلغ مساحته 5,600 م²، وشاركت فيه أربع طابعات من شركة Guanli الصينية.

في الولايات المتحدة: أسست شركة ICON حي Wolf Ranch، وهو أكبر حي مطبوع بالطباعة ثلاثية الأبعاد في العالم، وهو يتضمن 100 منزل. بُنيت الطوابق باستخدام طابعة Vulcan، واستغرق بناء كل منزل بين 3 و6 أسابيع مقارنة بـ6 و8 أشهر بالطريقة التقليدية. وجدير بالذكر، أن المنازل مقاومة للحرائق والعوامل الجوية، وذات عزل حراري قوي، ما يقلل نفقات الطاقة ضمن المناخ الحار.
في أستراليا: أنهت شركة Luyten 3D بناء منزل مكون من طابقين باستخدام طابعة Platypus X12 خلال 32 ساعة فقط، في خطوة تمهيدية لتوسيع الاستخدام لمناطق أوسع.
القرار الذي يصنع الفارق
تتغير معايير التقييم في قطاع البناء، فتتقدم سرعة التنفيذ وكفاءة التكلفة لتصبحا محورين رئيسيين في قرارات المطورين. لم تعد التقنيات الحديثة مجرد رفاهية، بل تحولت إلى ضرورة تُمكِّن المشاريع من تحقيق الجودة في وقت قياسي.
وفي المملكة، تتجلى ملامح هذا التحول في مشاريع كبرى مثل نيوم والرياض، حيث تتداخل التكنولوجيا مع التصميم العمراني، وتُوظَّف الطباعة ثلاثية الأبعاد والخرسانة الجاهزة لبناء نماذج مستقبلية متقنة. تبرز فيها التكنولوجيا كأداة استراتيجية فعَّالة بيد من يؤمن برؤية بعيدة، ومن يواكب طموحات وطن يخطو نحو المستقبل.