حين يتخفى التسويق في ثوب النصيحة

المحتوى العقاري على المنصات يربك الحدود بين الرأي والتحليل والإعلان، ما يجعل الإفصاح عن المصالح التجارية ضرورة.

صورة تعبيرية عن التسويق العقاري والمنصات

نشر في

المشكلة في بعض المحتوى العقاري ليست أنه يعلن، بل أنه يعلن دون أن يبدو إعلانًا.
من يتابع المحتوى العقاري في منصات التواصل يلاحظ خلال الفترة الأخيرة حضورًا متزايدًا للبثوث والتغريدات التي تتناول الأحياء والمشاريع والأسعار وفرص الشراء. وهذا في حد ذاته تطور إيجابي؛ فالعقار أصبح أقرب إلى الناس، والمعلومة لم تعد حكرًا على المتخصصين.

لكن الإشكال يبدأ عندما ينتقل المحتوى من تقديم المعلومة إلى صناعة القرار، ومن التثقيف إلى التوجيه، دون أن يعرف المتلقي طبيعة الجهة أو المصلحة التي تقف خلف هذا التوجيه.
يبدأ المشهد أحيانًا بسؤال يبدو عابرًا:
«اعطوني حيًا مستحيل تسكن فيه».

أو:
«جاني سؤال من الخاص، معه 200 ألف ويبحث عن شقة تحت الإنشاء في شمال جدة، وش تنصحونه؟».. ثم تبدأ الردود، وتظهر أسماء الأحياء والمشاريع والمطورين، وفي أحيان كثيرة يتحول النقاش من سؤال عام إلى مسار واضح يقود المتلقي نحو منتج محدد لا أقول إن كل هذه الأسئلة مصطنعة، ولا إن كل توصية تقف خلفها مصلحة تجارية.

لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه هو: هل يعرف المتلقي طبيعة المصلحة التي تقف خلف التوصية؟
فالوسيط من حقه أن يسوّق، والمطور من حقه أن يعلن، وصانع المحتوى من حقه أن يستفيد تجاريًا من جمهوره. لا مشكلة في ذلك.

المشكلة تبدأ عندما يتخفى الإعلان في ثوب النصيحة، أو تظهر التوصية وكأنها رأي مستقل، بينما توجد علاقة تجارية مؤثرة لم يُفصح عنها.
هناك فرق كبير بين أن يقول شخص:
«أنا أسوّق هذا المشروع، وأراه مناسبًا لهذه الفئة لهذه الأسباب».

وبين أن يقول:
«لو كنت مكانك، ما راح أشتري إلا هذا المشروع».
في الجملة الأولى يعرف المتلقي أنه أمام تسويق، ويستطيع أن يضع التوصية في سياقها. أما في الثانية، فقد يتعامل معها باعتبارها نصيحة مستقلة، لا توصية قد تتأثر بمصلحة تجارية.
والتأثير لا يأتي دائمًا من المتحدث نفسه.

حتى التعليقات والردود قد تصنع لدى المتلقي انطباعًا بوجود إجماع على حي أو مشروع معين. وقد يفسر كثرة الحديث عن منتج ما على أنها دليل على جودته أو قوة الطلب عليه، بينما قد تكون ببساطة نتيجة لتفاعل أصحاب مصالح مختلفة حول المنتج نفسه. كثرة التعليقات ليست دليلًا على جودة العقار، وكثرة الحديث عن مشروع ليست بالضرورة دليلًا على قوة الطلب عليه.

في زمن أصبحت فيه المنصات قادرة على صناعة الانطباع بسرعة، يحتاج المستهلك إلى أن يميز بين ثلاثة أشياء تبدو متشابهة لكنها ليست كذلك: الرأي، والتحليل، والإعلان.
إذا كان ما تقدمه رأيًا، فقل إنه رأي.

وإذا كان تحليلًا، فبيّن مصادر أرقامك وافتراضاتك.

وإذا كان إعلانًا، فلا بأس؛ لكن ليكن واضحًا أنه إعلان. وإذا كانت لك مصلحة تجارية في العقار الذي توصي به، فالإفصاح عنها لا ينتقص من مهنيتك، بل قد يكون أحد أسباب زيادة الثقة بك.
فالإفصاح لا يلغي تأثير التوصية، لكنه يجعل المتلقي أكثر قدرة على تقييمها.

ولا أعتقد أن الحل في محاربة المحتوى العقاري أو التشكيك في كل توصية، بل في أن نعرف بوضوح ما الذي نشاهده: هل هو رأي، أم تحليل، أم إعلان؟
التسويق حق مشروع، والرأي حق مشروع، وتحقيق العائد من المحتوى حق مشروع أيضًا.
لكن الإفصاح عن المصلحة هو ما يحفظ المسافة بين التأثير المشروع والتضليل.
لأن المشتري لا يحتاج فقط إلى معلومة صحيحة، بل يحتاج أيضًا إلى أن يعرف لماذا قيلت له هذه المعلومة.

وقفة للقارئ
قبل أن تأخذ بأي توصية عقارية على منصات التواصل، اسأل:

  • من يتحدث؟ وما علاقته بالعقار أو المشروع وهل هو مرخص؟
  •  ما مصدر المعلومة؟ خصوصًا إذا تضمنت أرقامًا أو توقعات.
  •  هل ذُكرت المزايا والمخاطر معًا؟
  • هل توجد مصلحة تجارية؟ وهل تم الإفصاح عنها؟
  • هل يساعدني المحتوى على اتخاذ القرار، أم يدفعني إلى اتخاذه؟