“قفزة التمويل العقاري السعودية: من 200 إلى أكثر من 900 مليار ريال في 2025 — ما المغزى والتحديات؟“
يشهد القطاع العقاري السعودي واحدة من أكبر التحولات الاقتصادية في تاريخه الحديث، إذ ارتفع حجم التمويل العقاري إلى أكثر من 900 مليار ريال في عام 2025، ويشكل 27% من إجمالي محافظ البنوك السعودية، بعدما لم يكن يتجاوز 200 مليار قبل عقد من الزمان، الرقم ليس مجرد إنجاز مالي، بل مؤشر على نضوج السوق وثقة المستثمرين والمستهلكين في السياسات الحكومية التي تقودها وزارة البلديات والإسكان ضمن مستهدفات رؤية 2030.
هذا النمو المتسارع جاء نتيجة منظومة متكاملة من الإصلاحات؛ بدأت بتحديث الأنظمة العقارية، ومرورًا بإنشاء شركات داعمة مثل شركة إعادة التمويل العقاري، ووصولًا إلى التحول الرقمي في إجراءات التسجيل والتمويل، الذي جعل المعاملات أكثر شفافية وسهولة، كما أن برامج الدعم الحكومية مثل سكني والتمويل المدعوم مكّنت آلاف الأسر السعودية من تملك منازلها، لترتفع نسبة التملك إلى نحو 65٪ من المواطنين — متجاوزة الأهداف المعلنة.
ولا يمكن تجاهل دور المشروعات الوطنية الكبرى، مثل “نيوم” و”القدية” و”الرياض الجديدة”، التي أوجدت طلبًا نوعيًا على الوحدات السكنية والمشاريع الاستثمارية. ومع تدفق المستثمرين المحليين والأجانب نحو هذا القطاع، أصبح التمويل العقاري يشكّل أكثر من ربع محافظ البنوك السعودية، وفق تصريحات الوزير ماجد الحقيل، ما يعكس ثقة قوية في القطاع كأحد محركات الاقتصاد غير النفطي.
لكن هذه القفزة السريعة تضع أمام السوق مجموعة من التحديات المهمة، فالتوسع الكبير في الإقراض يتطلب إدارة دقيقة للمخاطر، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الفائدة العالمية وتكاليف البناء. كما أن التركّز الجغرافي للاستثمارات في المدن الكبرى قد يُحدث فجوة بين العرض والطلب في المناطق الثانوية، ما يرفع الأسعار ويؤثر على القدرة الشرائية للمواطنين.
ولتحقيق الاستدامة، لا بد من التوجه نحو نماذج تمويل أكثر ذكاءً وتنوعًا، مثل التمويل المشترك، والإيجار المنتهي بالتملك، والاستثمار في مشروعات الإسكان الميسر. كما ينبغي تعزيز الشفافية في البيانات العقارية، ونشر مؤشرات دورية عن حركة السوق والتمويل، لتوجيه المستثمرين والجهات التمويلية بوضوح.
في النهاية، تمثل قفزة التمويل العقاري السعودية علامة فارقة في مسيرة التحول الاقتصادي، تُظهر نضوج الرؤية وإصرار الدولة على جعل السكن محورًا للتنمية الاجتماعية والاقتصادية. لكن التحدي الأكبر يكمن في الموازنة بين الطموح والنمو، وبين التوسع والاستدامة، حتى يظل العقار ركيزة للاستقرار، لا مرآة للمخاطر.
@ArchHesham