عند زيارة معارض الكتاب التي تتكرر عامًا بعد آخر، يبرز سؤال ملحّ لدى المهتمين بالقطاع العقاري: أين المؤلفات المترجمة المتخصصة في هذا المجال؟ فعلى الرغم من اتساع السوق العقاري وتعقيداته وتداخلاته الاقتصادية والتمويلية والتقنية، لا يزال حضور الترجمة العقارية محدودًا مقارنة بأهميته وتأثيره.
لقد أسهمت الترجمة منذ منتصف القرن العشرين في نقل العلوم والمعارف والآداب بين الشعوب، وكسرت حواجز اللغة، وفتحت مسارات جديدة لتداول الأفكار والخبرات، إلا أن المجال العقاري تحديدًا لم يحظَ بالزخم ذاته في حركة النقل المعرفي، ما خلق فجوة بين ما يُنتج عالميًا من معرفة متخصصة، وما يتوفر عربيًا للباحثين والمهنيين والمستثمرين.
في المقابل، يبرز المحتوى العقاري المحلي المعتمد على الخبرة العملية والتجربة الميدانية بوصفه مصدرًا مهمًا للمعرفة، حيث يتصدر الممارسون والمختصون واجهة الطرح، مقدمين تحليلات وانطباعات تنطلق من واقع السوق، غير أن هذا الجهد، على أهميته، يظل محدود الأثر إذا لم يتكامل مع المعرفة العالمية، ويستفيد من تجارب الأسواق الأخرى ونماذجها التنظيمية والتمويلية والتقنية.
إن متابعة بسيطة لما يُنشر في وسائل التواصل تكشف حجم الاهتمام بالمحتوى العقاري الأجنبي، حيث تحظى المقاطع المترجمة لوسطاء ومستثمرين عالميين بتفاعل واسع، ما يعكس تعطش المهتمين إلى مصادر أوسع وأعمق. وهذا مؤشر واضح على أن السوق المحلي لا يفتقر إلى الرغبة في المعرفة، بل إلى قنوات منظمة لنقلها وترجمتها.
وفي الوقت الذي حققت فيه المملكة العربية السعودية خطوات متقدمة في حوكمة القطاع العقاري، وتعزيز الشفافية، وتطوير التقنيات المرتبطة به، تبقى حركة الترجمة أحد المسارات الحيوية لاستكمال هذا التطور. فالسوق الذي يطمح إلى موقع عالمي مؤثر لا يكتفي بتنظيمه الداخلي، بل يسعى أيضًا إلى التفاعل المعرفي مع التجارب الدولية، والمساهمة فيها، والاستفادة منها. إن تنشيط الترجمة في المجال العقاري لا يعني نقل الكتب فقط، بل يشمل الدراسات، والتقارير، والممارسات المهنية، والنماذج التنظيمية، والابتكارات التمويلية، وكل ما يسهم في بناء معرفة متجددة تواكب التحولات المتسارعة في هذا القطاع. كما أن هذا التوجه يفتح المجال أمام الباحثين والمهنيين السعوديين لتقديم تجربتهم إلى العالم، لا بوصفها حالة محلية، بل نموذجًا قابلًا للدراسة والتفاعل.
إن الطريق إلى حضور عقاري عالمي يبدأ من المعرفة، والمعرفة لا تعبر الحدود إلا عبر الترجمة. ولذلك فإن الاستثمار في نقل المحتوى العقاري وترجمته ليس خيارًا ثقافيًا فحسب، بل خطوة استراتيجية تضع السوق المحلي في قلب الحراك المعرفي العالمي، وتمنحه القدرة على التأثير بقدر ما يتأثر.
@aqar_1159







