رغم الزخم الذي تحظى به المزادات العقارية في السوق، والموقع الحيوي لبعض الأصول المعروضة، إلا أن بعض العقارات تخرج من المزاد دون بيع، ففي الوقت الذي يتوقع فيه كثيرون أن المزاد هو الوسيلة الأسرع لتحفيز الطلب وتحقيق أفضل سعر ممكن.
هذه المفارقة تفتح الباب لتساؤلات مشروعة: ما الذي يدفع المستثمرون للعزوف عن بعض العقارات؟ وهل يكمن الخلل في العقار نفسه أم في آلية المزاد؟
فشل بعض المزادات لا يعني بالضرورة ضعف الطلب، بل قد يعكس فجوة بين تسعير البائع وتوقعات السوق، أو وجود معوقات تنظيمية وتسويقية تقلل من جاذبية الطرح. في هذا السياق، يستوجب فهم الأسباب الدقيقة لفشل المزادات من أجل تعزيز كفاءة السوق العقاري وتحقيق توازن أفضل بين العرض والطلب.
لماذا يفشل المزاد العقاري؟
1. التثمين المرتفع وغياب المرونة
السبب الأول يتمثل في سقف التثمين الذي حدده المُثمنون أو المالك، والذي يُعد السعر الأدنى المقبول لإتمام الصفقة. إذا لم تصل العروض إلى هذا الرقم، لا يتم البيع، حتى إن بدا العرض مقاربًا للقيمة السوقية. وغالبًا ما يتجاوز التثمين الواقعي العادل، إما بسبب توقعات غير واقعية من المالك أو اعتمادًا على قراءات متفائلة لسوق المنطقة، ما يؤدي إلى تعطيل البيع.
2. عزوف المشترين وقلة الحضور
لوحظ أيضًا أن بعض المزادات العقارية تكون فيها المشاركة محدودة، ما يؤثر بشكل مباشر على عدد ونوعية العروض المقدمة. قلة المنافسة تضعف احتمالية تصاعد الأسعار للوصول إلى قيمة التثمين، وتخلق مناخًا غير محفّز للمزايدة. هذه الظاهرة تُعزى إلى عدة عوامل، منها:
توقيت المزاد (في غير وقت الذروة).
ضعف الترويج للمزاد أو قصر مدة الإعلان عنه.
تشدد شروط الدخول للمزاد أو الحاجة لشيكات مصرفية أو ضمانات.
تخوف المستثمرين من السوق في ظل حالة الترقب أو التذبذب السعري.
3. التغير في سلوك المستثمر العقاري
المستثمر العقاري اليوم لم يعد يتخذ قراراته فقط بناء على الموقع أو المساحة، بل أصبح أكثر تحفظًا وتحليلًا للمخاطر والعوائد، خصوصًا مع تقلبات السوق العقاري، ووجود خيارات بديلة أكثر مرونة مثل الصناديق العقارية أو الأراضي المُقسّمة الجاهزة للتطوير الفوري.
4. تكلفة التطوير العالية
حتى لو كانت الأرض بموقع مميز، فإن تكلفة تطويرها، خصوصًا إذا كانت بحاجة إلى بنية تحتية، أو كانت تقع على طريق رئيسي يحتاج إلى ارتدادات تنظيمية خاصة، تجعل المستثمر يعيد حساباته بشأن القيمة النهائية التي يمكنه تقديمها.
كيف يمكن التغلب على هذه الإشكاليات؟
إعادة النظر في آلية التثمين:
اعتماد تقييم أكثر مرونة يراعي السوق الفعلي وليس التقديري فقط، مع إتاحة هامش تفاوض للمشترين الجادين.
التسويق الذكي للمزادات:
حملات إعلانية مكثفة، واستهداف الشرائح الصحيحة من المستثمرين، وتوفير معلومات وافية عن العقار قبل وقت كافٍ من المزاد.
تنظيم المزادات في أوقات مناسبة:
اختيار توقيت مناسب من حيث السوق والموسم، مثل ما بعد إجازات العيد أو الربع المالي الأول حين تكون السيولة أعلى.
تحفيز المنافسة ببيئة مرنة:
تسهيل شروط دخول المزاد وتقديم خيارات تمويل مرنة أو تقسيط للمبلغ الفائز أحيانًا، بالتعاون مع بنوك أو جهات تمويل.
تحليل السوق بدقة أكبر قبل الطرح:
إجراء دراسات سوقية احترافية قبل المزاد لفهم مدى قدرة السوق على استيعاب السعر المتوقع للعقار.
فشل صفقة “لك النرجس السكني” رغم موقعها ومساحتها الكبيرة يعكس تحوّلًا في آليات السوق العقاري، حيث لم تعد الصفقات تُحسم فقط بموقع العقار أو سعر المتر، بل أصبحت تعتمد على مدى توافق العرض مع التقديرات الواقعية للسوق، ومدى استعداد المستثمرين للالتزام في ظل متغيرات اقتصادية وتشريعية متسارعة. ولإنجاح أي مزاد مستقبلي، لا بد من تحقيق توازن بين توقعات البائع ومرونة المشتري، عبر أدوات تسويقية وتقييمية مدروسة.







