في كثير من الشركات العقارية، لا يُنظر إلى الامتثال المالي بوصفه جزءًا أصيلًا من إدارة المال، بل يُختزل في كونه إجراءً تنظيميًا مفروضًا، يُؤدّى بالحد الأدنى، ويُدار بعقلية تفادي المساءلة لا بعقلية حماية الاستثمار.
هذا التصور، وإن بدا مريحًا على المدى القصير، إلا أنه في حقيقته أحد أكثر المسارات تكلفة على المدى المتوسط والطويل. فالامتثال المالي ليس أوراقًا تُستكمل، ولا لوائح تُحفظ في الملفات، بل هو الإطار الذي تُضبط من خلاله حركة المال داخل المشروع، وتُدار به المخاطر قبل أن تتحول إلى نزاعات، ويُبنى عليه القرار الاستثماري السليم. وفي القطاع العقاري تحديدًا، حيث تتشابك رؤوس الأموال، وتتعدد الأطراف، وتتراكم الالتزامات، يصبح أي خلل مالي غير منضبط مرشحًا للتحول سريعًا إلى تعثر أو نزاع أو مسؤولية نظامية.
المفارقة أن الخسائر الناتجة عن ضعف الامتثال لا تظهر فورًا في القوائم المالية، ولا تُسجَّل مباشرة كأرقام حمراء، بل تتسلل بهدوء: تدفقات غير واضحة، التزامات غير موثقة بدقة، فصل هش بين أموال المشروع وأموال الشركة، وقرارات مالية تُتخذ دون غطاء نظامي كافٍ. وحين يحين أول خلاف، أو أول فحص، أو أول تعثر، تتكشف هذه التفاصيل الصغيرة بوصفها أصل المشكلة لا هامشها.
الربحية في المشاريع العقارية لا تُقاس بحجم المبيعات وحده، بل بقدرة الشركة على حماية إيراداتها، وإدارة التزاماتها، وتقليص مساحات النزاع، وتفادي التسويات المكلفة. ومن هنا، فإن الامتثال المالي المنضبط لا يُعد قيدًا على الأداء، بل عنصرًا حاسمًا في استقرار التدفقات النقدية واستدامة المشروع، وفي تعزيز ثقة الشركاء والممولين على حد سواء.
وفي هذا السياق، لا يقتصر دور المستشار القانوني على التحذير من المخالفات أو تعداد المخاطر، بل يتجاوز ذلك إلى بناء سياسات امتثال واقعية ومرنة، تُراعي متطلبات النظام دون أن تُقيد القرار التنفيذي، وتحوّل النصوص النظامية من عبء نظري إلى أدوات عملية لضبط المال وإدارة المخاطر. الخلاصة أن الشركات العقارية التي تتعامل مع الامتثال المالي بوصفه تكلفة، غالبًا ما تدفع ثمن ذلك مضاعفًا لاحقًا، بينما التي تدمجه ضمن حوكمة المال والاستثمار، تكون الأقدر على الاستقرار، والأكثر قدرة على حماية ربحيتها في سوق لا يرحم الأخطاء الصامتة.
فالامتثال لا يقف في مواجهة المرونة الإدارية، بل يُشكّل أحد أهم أدوات ضبطها وحمايتها من الانفلات.
@Dr_alkharji







