يُعرّف «الترميز» في جوهره التقني واللغوي بأنه عملية تحويل الأصول المادية أو البيانات الوصفية إلى «رموز رقمية» غير قابلة للتكرار، تعمل كشفرة إلكترونية توثق الهوية والملكية بدقة متناهية، ودلالته في التحديد الدقيق للأشياء تتجاوز مجرد التسمية، لتصل إلى «تفريد الأصل»؛ حيث يتم منح كل وحدة عقارية سجلاً رقمياً يحمل كافة خصائصها الهندسية والقانونية والمالية، مما يمنع التداخل أو الازدواجية في المعلومات.
وقد دخل لفظ «الترميز» في القطاع العقاري من أوسع أبوابه ليعمل على تصحيح مسار عدد من الاتجاهات؛ فمن خلاله لم يعد العقار كتلة صماء يصعب تجزئتها، بل أصبح كياناً رقمياً قابلاً للقياس والتقسيم إلى وحدات دقيقة جداً. ويُمثل «الترميز العقاري» ثورة هيكلية في تجزئة الأصول الكبيرة وتحويل العقارات من «أصول جامدة» كانت تتسم بضعف السيولة وتعثر التشغيل وصعوبة التخارج، إلى أجزاء رقمية مرنة قابلة للتداول اللحظي عبر تقنية «البلوكشين».
هذا التحول يعمل على «إذابة الجليد» عن الصفقات الكبرى، حيث يضخ سيولة نقدية في شرايين السوق من خلال تحويل القيمة العقارية الضخمة إلى وحدات صغيرة (Tokens) ميسورة التكلفة، هذا النهج يفتح الباب على مصراعيه أمام صغار المستثمرين والأفراد لامتلاك حصص مشاعة في أبراج تجارية أو مجمعات لوجستية كان من المستحيل الوصول إليها سابقاً، مما يعزز الاستقرار المالي ويخلق سوقاً عقارياً ذكياً يتسم بالشفافية والعدالة في توزيع الفرص، وقد يتحول سوق الترميز العقاري لبورصة خاصة تنعش الآمال في الاستثمار مع كبار الملاك كتفًا بكتف.
من جهة أخرى، يمنح الترميز «الفائدة المزدوجة» لكبار الملاك والمستثمرين عبر تمكينهم من «التخارج الجزئي» الممنهج؛ فبدلاً من انتظار سنوات لبيع أصل عملاق بالكامل أو تشغيله، إذ يمكنهم تسييل حصص معينة منه للاستفادة من تدفقات نقدية فورية تُستثمر في مشاريع جديدة، دون فقدان السيطرة الكلية على الأصل، هذا التوازن بين جذب رؤوس أموال الأفراد وتوفير مرونة التخارج لكبار المطورين، يساهم في تسريع دورة رأس المال العقاري، ويقلل من فترات الركود، ويحول العقار من استثمار «محبوس» إلى محرك ديناميكي يدعم حيوية الاقتصاد الرقمي وفق مستهدفات رؤية المملكة 2030.
رئيس التحرير







