يُصمَّم المبنى لاستخدام معيّن وعدد محدد من الأشخاص، ثم يأتي المستأجر ليحوّله إلى خلية مكاتب مكتظة تتجاوز طاقته الاستيعابية، فتختنق المواقف وتُخنق الطرقات.. هذا المشهد لم يعد استثناءً في المدن الكبرى، بل أصبح أحد أبرز أسباب الازدحام المروري، وفق ما كشفه وزير البلديات والإسكان ماجد الحقيل.
وفي حديثه ضمن بودكاست سقراط، أوضح الحقيل أن أزمة الزحام لم تعد مرتبطة بشبكة الطرق فقط، بل باتت نتيجة تداخل عدة عوامل تنظيمية وهندسية واستخدامية، مشيرًا إلى أن التعامل معها يتطلب حلولًا متكاملة وليس إجراءً واحدًا. وأكد أن بعض المدن، مثل جدة، تواجه تحديات واضحة في التوسع العمراني، لا سيما في مناطق مثل أبحر التي تعاني من محدودية المداخل، موضحًا أن العمل جارٍ على تطوير محاور وطرق جديدة وربطها بشبكة المدينة عبر مشاريع جسور وطرق حيوية خُصصت لها ميزانيات فعلية.
وأشار الحقيل إلى أن الحلول الهندسية تمثل أحد المحاور الرئيسة لمعالجة الاختناقات، من خلال إعادة تصميم المواقع ذات “العنق الزجاجي”، وإنشاء جسور مؤقتة أو دائمة، وتحسين تدفق الحركة بدل الانتقال المفاجئ من طرق سريعة إلى دوارات أو نقاط ضيقة تتسبب في تكدس المركبات.
أهمية دور النقل العام
وأضاف أن النقل العام بات عنصرًا أساسيًا في المعالجة، لافتًا إلى بدء تفعيله في عدد من المدن وعلى رأسها الرياض، باعتباره خيارًا استراتيجيًا لتخفيف الضغط على الطرق وتقليل الاعتماد الكلي على المركبات الخاصة. وشدد وزير البلديات والإسكان على أهمية توحيد الجهة المشرفة على إدارة الحركة المرورية، موضحًا أن تعدد الجهات المشغّلة يضعف كفاءة الحلول الذكية، حتى مع استخدام الإشارات الذكية وأجهزة الاستشعار، التي لا تحقق نتائجها إلا ضمن منظومة تشغيل موحدة.
الكشف عن جذور المشكلة
وأشار الحقيل بوضوح إلى أن جذر المشكلة الأهم يكمن في استخدامات المباني، حيث تُغيَّر طبيعة الاستخدام دون مراعاة الطاقة الاستيعابية أو عدد المواقف المعتمدة، ما يؤدي إلى تحميل الأحياء السكنية والطرق المحيطة أعباءً لم تُصمم لتحمّلها. وأوضح أن أنظمة المواقف تُعد جزءًا رئيسيًا من الحل، مشيرًا إلى أن غياب التنظيم في هذا الجانب يعرقل حتى نجاح النقل العام، لافتًا إلى أن الممارسات العالمية تعتمد على ضبط استخدامات المباني وربطها بعدد المواقف والطاقة التشغيلية الفعلية.
واختتم الحقيل حديثه بالتأكيد على أن معالجة الازدحام تمر بثلاثة مسارات متوازية: تطوير شبكة الطرق، وتفعيل النقل العام، وتنظيم استخدامات المباني، مشددًا على أن الأنظمة الجديدة ستمنع تكرار مشاهد تحويل المكاتب المصممة لعشرة أشخاص إلى أماكن يعمل بها ثلاثون موظفًا وثلاثون سيارة بلا مواقف، على حساب الأحياء وجودة الحياة.







