تكاليف البناء في المملكة.. العمالة والطاقة تقودان الارتفاع خلال الشهر الماضي

سجل الرقم القياسي لتكاليف البناء في المملكة ارتفاعًا بنسبة 1.4% خلال شهر فبراير 2026

نشر في

بينما يشهد قطاع التشييد والبناء في المملكة نشاطًا متسارعًا مدفوعًا بالمشروعات العمرانية الكبرى والتوسع الحضري، تكشف أحدث البيانات عن استمرار الضغوط على تكاليف التنفيذ، إذ لم تعد أسعار مواد البناء وحدها العامل الحاسم في تكلفة المشاريع، بل أصبحت عناصر أخرى — على رأسها العمالة والطاقة — اللاعب الأكثر تأثيرًا في معادلة التكاليف، وهو ما يعكس تحولًا واضحًا في هيكل الإنفاق داخل القطاع الإنشائي.

ارتفاع سنوي ملحوظ في مؤشر تكاليف البناء
وبحسب بيانات الهيئة العامة للإحصاء، سجل الرقم القياسي لتكاليف البناء في المملكة العربية السعودية ارتفاعًا بنسبة 1.4% خلال شهر فبراير 2026 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، وارتفع المؤشر إلى مستوى 102.5 نقطة وفق سنة الأساس 2023، مقابل 101.1 نقطة في فبراير من العام الماضي، مواصلًا بذلك الاتجاه التصاعدي الذي بدأ تدريجيًا خلال عام 2025 واستمر مع بداية العام الحالي.

ويُعد مؤشر تكاليف البناء أداة إحصائية تقيس التغيرات التي تطرأ على أسعار مجموعة متكاملة من عناصر البناء، تشمل المواد والخدمات والعمالة والمعدات والطاقة، ويُستخدم على نطاق واسع من قبل المخططين الاقتصاديين والباحثين لتقييم اتجاهات قطاع التشييد وتأثيراته على التنمية الاقتصادية.

مسار تصاعدي منذ مطلع 2025
تشير قراءة تطور المؤشر خلال الأشهر الماضية إلى مسار نمو مستقر نسبيًا، إذ بدأ عام 2025 عند مستوى 101 نقطة تقريبًا، قبل أن يتحرك تدريجيًا خلال العام مع زيادات طفيفة متتالية. واستمر المؤشر في الارتفاع بوتيرة محدودة لكنها ثابتة حتى نهاية العام، ليصل إلى 101.9 نقطة في ديسمبر 2025، ثم يسجل قفزة أكبر نسبيًا في يناير 2026 عند 102.4 نقطة، قبل أن يواصل الصعود إلى 102.5 نقطة في فبراير.
هذا المسار يعكس حالة من الاستقرار النسبي في السوق، حيث جاءت الزيادات تدريجية وليست حادة، ما يشير إلى ضغوط تكاليف متراكمة أكثر من كونها صدمات سعرية مفاجئة.

العمالة تتصدر عوامل ارتفاع التكاليف
جاءت الزيادة السنوية في تكاليف البناء مدفوعة بشكل أساسي بارتفاع تكاليف العمالة، التي سجلت نموًا بنسبة 2.8% مقارنة بفبراير 2025، لتصبح العامل الأكثر تأثيرًا في ارتفاع المؤشر العام.
كما ارتفعت تكاليف استئجار المعدات والآلات بنسبة 1.9%، في حين سجلت تكاليف الطاقة أكبر نسبة نمو بين المكونات المختلفة عند 3.0%، ما يعكس زيادة الأعباء التشغيلية المرتبطة بتنفيذ المشاريع.

في المقابل، بقيت أسعار المواد الأساسية — التي تمثل نحو نصف وزن المؤشر بإجمالي 48.5% — شبه مستقرة، إذ سجلت ارتفاعًا طفيفًا لا يتجاوز 0.2%، وهو ما ساهم في الحد من تسارع الزيادة الإجمالية في تكاليف البناء.
وبعبارة أخرى، لم تعد المواد الخام المحرك الرئيسي لارتفاع الأسعار كما كان الحال في سنوات سابقة، بل انتقل الضغط نحو عناصر التشغيل والتنفيذ.

قراءة في مكونات المؤشر
عند تحليل مكونات الرقم القياسي، يتضح أن المواد الأساسية رغم امتلاكها الوزن الأكبر في المؤشر، سجلت تغيرًا محدودًا للغاية، ما يشير إلى استقرار نسبي في أسعار مدخلات البناء الرئيسية.
في المقابل، شكلت العمالة ما يقرب من ثلث وزن المؤشر تقريبًا، ومع ارتفاع تكلفتها بوتيرة أعلى من بقية العناصر، انعكس ذلك مباشرة على المؤشر العام. كما ساهمت زيادة تكاليف المعدات والطاقة — رغم أوزانها الأقل — في تعزيز الاتجاه الصاعد للمؤشر، خاصة مع اعتماد المشاريع الحديثة بشكل أكبر على المعدات المتخصصة والتشغيل المكثف للطاقة.

القطاع السكني يقود الارتفاع
أظهرت البيانات أن القطاع السكني، الذي يمثل الحصة الأكبر من نشاط البناء بوزن يبلغ 77.5%، سجل ارتفاعًا سنويًا في التكاليف بنسبة 1.4%. وجاء هذا النمو نتيجة زيادة تكاليف العمالة بنسبة 2.7%، إلى جانب ارتفاع تكاليف المعدات والطاقة، بينما ظلت أسعار المواد الأساسية شبه مستقرة مع زيادة طفيفة بلغت 0.3%.
ويعكس ذلك استمرار الطلب القوي على المشروعات السكنية، خاصة في ظل برامج الإسكان والتوسع العمراني، ما يرفع الطلب على العمالة والخدمات المرتبطة بالبناء.

نمو أسرع في القطاع غير السكني
أما القطاع غير السكني، فقد سجل ارتفاعًا أكبر نسبيًا بلغ 1.5% على أساس سنوي، مدفوعًا بزيادة أعلى في تكاليف العمالة وصلت إلى 3.0%، إضافة إلى ارتفاع تكاليف المعدات والطاقة.
ورغم أن هذا القطاع يمثل وزنًا أقل في المؤشر الإجمالي مقارنة بالقطاع السكني، فإن وتيرة النمو الأعلى تشير إلى زيادة النشاط في المشاريع التجارية والخدمية والبنية التحتية، والتي عادة ما تتطلب معدات متخصصة وكثافة تشغيل أعلى.

استقرار المواد يحد من تسارع التضخم الإنشائي
أحد أبرز ملامح بيانات فبراير 2026 يتمثل في الاستقرار النسبي لأسعار المواد الأساسية في كلا القطاعين السكني وغير السكني. هذا الاستقرار لعب دورًا محوريًا في كبح ارتفاع التكاليف الإجمالية، إذ لو سجلت المواد زيادات كبيرة بالتوازي مع ارتفاع العمالة والطاقة، لكان المؤشر قد شهد قفزة أكبر بكثير.
ويشير ذلك إلى أن الضغوط الحالية على قطاع البناء ترتبط بعوامل تشغيلية أكثر من ارتباطها بسلاسل الإمداد أو أسعار المواد الخام.
وتكشف هذه البيانات تحولًا تدريجيًا في هيكل تكلفة البناء داخل المملكة، حيث أصبحت تكاليف التنفيذ والتشغيل — وليس المواد فقط — العنصر الأكثر تأثيرًا في تسعير المشاريع. وقد يدفع ذلك المطورين والمقاولين إلى إعادة تقييم نماذج التسعير وإدارة الموارد البشرية والتقنية لاحتواء التكاليف المستقبلية.
كما تشير الزيادة المعتدلة في المؤشر إلى استمرار نمو القطاع بوتيرة متوازنة، دون مؤشرات على ارتفاعات حادة قد تؤثر سلبًا على استدامة المشاريع، وهو ما يعزز توقعات استمرار النشاط العمراني ضمن مسار مستقر خلال الفترة المقبلة.