شهدت سوق العقارات السعودي خلال فبراير 2026 تحولاً واضحاً في اتجاهاتها، بعدما تراجع نشاط البيع بشكل حاد مقابل صعود قوي لسوق الإيجارات، في مؤشر يعكس تغير سلوك المتعاملين وتفضيل شريحة واسعة من الأفراد والشركات خيار الاستئجار بدلاً من التملك وسط متغيرات اقتصادية وتمويلية متسارعة.
وكشفت البيانات الحديثة أن السوق لم تدخل مرحلة ركود بقدر ما تعيد ترتيب أولوياتها، إذ تراجعت السيولة الموجهة لشراء الأصول العقارية، بينما انتقلت إلى القطاع الإيجاري الذي سجل نمواً لافتاً على مستوى العقود والقيم المالية.
تراجع ملحوظ في صفقات البيع العقاري
سجلت الصفقات العقارية في فبراير انخفاضاً سنوياً واضحاً مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، حيث تراجع نشاط البيع في القطاعين السكني وغير السكني على حد سواء.
ففي القطاع السكني، انخفض عدد الصفقات إلى نحو 18.3 ألف صفقة بعد أن كان يتجاوز 33.6 ألف صفقة قبل عام، ما يعكس تراجعاً يقارب النصف. كما انخفضت الصفقات غير السكنية إلى نحو 2.1 ألف صفقة، في دلالة على تباطؤ قرارات الاستثمار والشراء.
ولم يقتصر التراجع على عدد العمليات فقط، بل امتد إلى قيمها المالية، إذ هبطت قيمة الصفقات السكنية إلى نحو 14.7 مليار ريال بعدما تجاوزت 33 مليار ريال في فبراير من العام الماضي، بينما انخفضت قيمة الصفقات غير السكنية إلى 9.4 مليار ريال.
ويشير ذلك إلى حالة من الحذر في السوق، حيث فضّل المشترون التريث في اتخاذ قرارات التملك، خاصة مع ارتفاع تكاليف التمويل وتغير توقعات الأسعار.
تغيرات في حجم العقارات وقيم الصفقات
على مستوى خصائص التداول، سجل متوسط مساحة العقارات السكنية المتداولة تراجعاً طفيفاً ليصل إلى نحو 411 متراً مربعاً، ما يعكس توجهاً نحو وحدات أصغر نسبياً. في المقابل، ارتفعت المساحات المتداولة في القطاع غير السكني بشكل كبير، متجاوزة 42 ألف متر مربع، وهو ما يشير إلى صفقات نوعية كبيرة رغم انخفاض عددها.
كما انخفض متوسط قيمة الصفقة السكنية بشكل محدود إلى نحو 760 ألف ريال، بينما تراجع متوسط الصفقة غير السكنية إلى قرابة 2.47 مليون ريال، ما يعكس ضغوطاً سعرية نسبية في السوق.
الإيجارات تقود النشاط العقاري
في المقابل، قدمت سوق الإيجارات صورة مختلفة تماماً، حيث سجلت نمواً قوياً خلال فبراير، لتصبح المحرك الرئيسي للنشاط العقاري في المملكة.
ارتفع عدد عقود الإيجار السكنية إلى أكثر من 266 ألف عقد، مقارنة بنحو 195 ألف عقد قبل عام، كما زادت العقود غير السكنية إلى نحو 65.6 ألف عقد. ويعكس ذلك زيادة الطلب على السكن المؤجر والمساحات التجارية.
أما من حيث الصفقات، فقد تجاوز عدد صفقات الإيجار السكنية 338 ألف صفقة بنمو كبير، في حين ارتفعت الصفقات غير السكنية إلى أكثر من 107 آلاف صفقة.
واللافت أن القيمة المالية للإيجارات سجلت قفزة قوية، إذ ارتفعت قيمة الصفقات السكنية إلى نحو 7 مليارات ريال بزيادة بلغت 85%، فيما صعدت قيمة الإيجارات غير السكنية إلى 5.8 مليار ريال، ما يعكس انتقال السيولة نحو السوق الإيجاري بشكل واضح.
الأراضي الأكثر تراجعاً بين الأصول السكنية
وعند تحليل مكونات السوق السكنية، جاءت الأراضي في مقدمة الأصول الأكثر تراجعاً، إذ انخفض عدد صفقاتها إلى نحو 10.6 ألف صفقة، مع هبوط قيمتها إلى 7.6 مليار ريال، مسجلة أكبر انخفاض بين مختلف أنواع العقارات.
وتراجعت مبيعات الشقق إلى نحو 4.6 ألف صفقة بقيمة تقارب 3 مليارات ريال، بينما انخفضت صفقات الفلل إلى 1.3 ألف صفقة فقط بقيمة نحو ملياري ريال، في مؤشر على تراجع الطلب على الوحدات مرتفعة التكلفة. وشملت التراجعات أيضاً الدوبلكسات والأدوار السكنية، وإن بوتيرة أقل، ما يعكس تباطؤاً عاماً في قرارات التملك عبر مختلف الشرائح.
الرياض تتصدر النشاط العقاري
جغرافياً، واصلت منطقة الرياض تصدرها المشهد العقاري في المملكة، مستحوذة على ما يقارب نصف قيمة الصفقات العقارية بإجمالي تجاوز 11 مليار ريال، ما يعكس استمرار جاذبية العاصمة كمركز رئيسي للاستثمار والتطوير العمراني.
وجاءت منطقة مكة المكرمة في المرتبة الثانية بحصة تقارب الربع، تلتها المنطقة الشرقية، بينما استحوذت خمس مناطق رئيسية مجتمعة على نحو 91% من إجمالي قيمة الصفقات العقارية في المملكة، ما يؤكد تركّز النشاط في المدن الكبرى.
هيمنة الرياض أيضاً على سوق الإيجار
ولم يختلف المشهد كثيراً في سوق الإيجارات، حيث احتفظت الرياض بالمركز الأول أيضاً، مستقطبة نحو 42% من إجمالي قيمة صفقات الإيجار بقيمة بلغت حوالي 5.4 مليار ريال، مع تسجيل أكثر من 145 ألف صفقة.
وجاءت مكة المكرمة في المرتبة الثانية بقيمة تجاوزت 3.3 مليار ريال، تلتها المنطقة الشرقية بنحو 1.78 مليار ريال، فيما سجلت المدينة المنورة وعسير نشاطاً ملحوظاً ولكن بحصص أقل.
تحول هيكلي في سلوك السوق
تكشف مؤشرات فبراير 2026 عن تحول تدريجي في هيكل السوق العقارية السعودية، حيث يتراجع زخم التملك مؤقتاً لصالح الإيجار، وهو اتجاه غالباً ما يرتبط بدورات السوق العقاري وارتفاع تكاليف التمويل.
ويبدو أن السوق تمر بمرحلة إعادة توازن، إذ يترقب المشترون وضوح الرؤية الاقتصادية والأسعار، بينما يستفيد قطاع الإيجارات من زيادة الطلب السكاني والنشاط الاقتصادي، ما يجعله المستفيد الأكبر في المرحلة الحالية.







