ضيف الله المتعاني
في سوقٍ عقاريٍ يتسارع إيقاعه، قد يُختزل قرار تأجير العقار في معادلة مالية بحتة: قيمة إيجارية، مدة عقد، والتزامات واضحة.
غير أن هذا الاختزال، على شيوعه، يغفل حقيقة أساسية:
إن العقار ليس مساحة محايدة، بل بيئة تُنشئ سلوكًا، وتُعيد تشكيل ذائقة، وتصنع نمط حياة.
فما يُفتح اليوم خلف واجهة تجارية، قد يتحوّل غدًا إلى مشهدٍ يوميٍّ مألوف، تتشكّل أمامه عيون الأبناء والبنات، قبل أن تتكوّن لديهم القدرة على السؤال أو التمييز.
ومن هنا، يفرض السؤال نفسه بهدوءٍ:
هل كل نشاطٍ مربح، جديرٌ بأن يُمنح موقعًا؟
الربح السريع… أم القيمة التي تبقى؟
لا شك أن بعض الأنشطة تقدّم عائدًا سريعًا، وتبدو للمالك خيارًا عمليًا لا تعقيد فيه؛ طلبٌ قائم، والتزام مالي منتظم.
لكن التجربة، حين تُقرأ بعمق، تكشف وجهًا آخر لهذا الخيار.
فأنشطة ترتبط بالدخان، والشيشة ومشتقاتها، والجلسات المغلقة، والوقت الممتد:
• تُقصي العائلات دون إعلان
• وتغيّر جمهور المكان تدريجيًا
• وتحدّ من فرص استقطاب علامات تجارية أكثر التزامًا
• وتُطبع في الوعي الناشئ بوصفها نمطًا اعتياديًا للترفيه والجلوس
وهكذا، يتحوّل العائد السريع إلى كلفة مؤجّلة، تُدفع لاحقًا من صحة الأبناء والبنات، ومن قيمة العقار وسمعته وقدرته على التطوّر.
فالمالك، حين يوقّع عقد الإيجار، لا يسلّم مفاتيح فحسب، بل يحدّد المسار الذي سيسلكه المكان لسنوات.
العقار… قدوة لا تحتاج إلى خطاب
ما يراه الأبناء لا يحتاج إلى شرح.
فالمشهد المتكرر، والروائح الحاضرة، ونمط الجلسات، كلها رسائل صامتة، لكنها بالغة التأثير.
وحين تتكرر هذه الرسائل في محيط واحد، تصبح جزءًا من “الطبيعي”، لا بوصفها خيارًا واعيًا، بل باعتبارها واقعًا يُفرض بالاعتياد.
وهنا لا يكون الحديث وعظًا، ولا تصنيفًا أخلاقيًا، بل قراءة واعية لتأثير البيئة حين تُترك دون تفكير طويل المدى.
الصحة العامة… مؤشرات لا يمكن تجاهلها
لم تأتِ التحذيرات الصحية الرسمية المرافقة لمنتجات التبغ عبثًا، بل جاءت نتيجة دراسات وتجارب طويلة تؤكد أثرها السلبي على الصحة العامة، ولا سيما لدى فئة الشباب.
ومما يلفت الانتباه، ومن واقع الملاحظة الميدانية في بعض المراكز الصحية، أن حالات تنفّسية لدى فئة المراهقين باتت تظهر بوتيرة لافتة، حيث يُقدَّم لبعضهم الأكسجين أو أدوية لتخفيف أعراض تنفّسية، في صور لم تكن مألوفة في السابق.
وهي مؤشرات يصعب فصلها عن بيئات يكثر فيها التعرّض للدخان ومشتقاته، حتى أصبح قريب المنال وسهل الوصول لدى صغار السن، وبدأ أثره يظهر في مراحل عمرية مبكرة.
وهنا، لا يكون القرار العقاري بعيدًا عن هذه المؤشرات، بل يُعد جزءًا من المشهد الأوسع الذي يصنع البيئة الصحية للحيّ، إما أن يدعمها ويعزّز جودتها، أو يرهقها ويضاعف تبعاتها على المجتمع
مسؤولية المالك… ودوره في الحيّ والصحة العامة
لم يعد دور مالك العقار محصورًا في توفير المساحة فقط.
فالأحياء تُبنى بقرارات صغيرة متراكمة، وكل قرار تأجير هو لبنة في هذا البناء.
والاستثمار العقاري الواعي لا يُقاس بقيمة الإيجار وحدها، بل بـ:
• نوعية النشاط
• انسجامه مع المجتمع
• أثره على الحركة اليومية والصحة العامة
• وقدرته على الحفاظ على قيمة الموقع واستدامته
وقد أثبت الواقع أن كثيرًا من المواقع التي سلكت الطريق الأسهل، وجدت نفسها لاحقًا محاصرة بخيارات محدودة، بعد أن فقدت ثقة العائلات وجاذبية التطوير.
موقف مهني… نابع من التجربة
من واقع العمل في السوق العقاري، يصبح اتخاذ موقفٍ واضح مسؤوليةً مهنية.
ومن هذا المنطلق، جاء قراري بعدم التعامل — تأجيرًا أو وساطة — مع أي نشاط يتضمن الدخان أو الشيشة.
ليس تضييقًا، ولا مصادرةً لحق أحد، بل قناعة مهنية بأن العقار أمانة، وأن البيئة التي نُسهم في تشكيلها اليوم، ستنعكس غدًا على المجتمع بأكمله، وعلى أبنائنا وبناتنا.
كلمة أخيرة إلى مُلّاك العقارات
كما تُحسن اختيار المستأجر القادر على السداد،
أحسن اختيار النشاط القادر على الاستمرار دون إضرار.
فليس كل دخلٍ يُقبض مكسبًا،
ولا كل عقدٍ يُوقّع نجاحًا.
الاستثمار المسؤول هو الذي يربح اليوم،
ويحمي الغد،
ولا يدفع المجتمع ثمنه بصمت.






