بعد قيادة السيارة لنحو ساعة شمال مدينة الرياض، تبدأ الكثبان الرملية في التلاشي تدريجيًا، لتحل محلها ملامح مدينة ناشئة تمتد على مدّ البصر، تضم آلاف المنازل الجديدة المخصصة للعائلات، في مشهد قد يبدو مألوفًا لأي ضاحية سكنية في الولايات المتحدة. هذا المشروع، المعروف باسم «خزام»، والذي تتجاوز قيمته 100 مليار ريال سعودي (نحو 27 مليار دولار)، يمثل نموذجًا حيًا لطموحات السعودية في معالجة أزمة القدرة على تحمل تكاليف السكن، وهي أزمة تؤرق مدنًا كبرى من نيويورك إلى سيدني، وفقًا لما أورده موقع بلومبرغ.
ولا يقتصر مشروع خزام على كونه مجمعًا سكنيًا ضخمًا، بل يعكس توجهًا أوسع تقوده المملكة لإعادة تشكيل سوق العقارات، في إطار رؤية سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الهادفة إلى جذب المستثمرين والمشترين الأجانب، وتعزيز دور القطاع العقاري كرافد رئيسي لدعم الاقتصاد.
وتقود الشركة الوطنية للإسكان، أكبر مطور عقاري في المملكة والمدعومة حكوميًا، هذا التحول، إذ تمتلك محفظة مشاريع تُقدّر بنحو 250 مليار ريال موزعة على مختلف مناطق المملكة. وتضخ الشركة مليارات الريالات في مشاريع تطوير عمراني واسعة النطاق، بالتوازي مع دخول شركات خاصة عديدة في سباق البناء، ما يعكس الزخم المتزايد في السوق. ولم يقتصر الاهتمام على الشركات المحلية، إذ جذب السوق السعودي أيضًا «منظمة ترامب»، شركة التطوير العقاري التابعة لعائلة الرئيس الأميركي، التي تعمل مع شريك سعودي على تطوير شقق فاخرة داخل المملكة.
ويأتي هذا النشاط المتسارع مدعومًا بإصلاحات تنظيمية جديدة يُتوقع أن تدخل حيز التنفيذ في يناير، وتسمح للمشترين الأجانب بتملك العقارات داخل السوق السعودية. وتتزامن هذه الخطوة مع إصلاحات أخرى، من بينها فتح سوق الأسهم السعودية هذا الأسبوع أمام جميع المستثمرين الأجانب، في أحدث تحرك لتعزيز تدفقات رؤوس الأموال إلى أكبر أسواق الشرق الأوسط.
جذب مشترين ومستثمرين دوليين
ويعد السماح للأجانب بالتملك خطوة طال انتظارها، يأمل المطورون أن تسهم في جذب مشترين ومستثمرين دوليين إلى سوق ظل مغلقًا إلى حد كبير أمام غير السعوديين لعقود. وكانت المملكة قد بدأت تدريجيًا في تخفيف بعض القيود على المقيمين الأجانب، وهي تتجه الآن لتحديد مشاريع ومناطق يُسمح فيها للأجانب بالشراء. غير أن هذا الانفتاح يفرض تحديًا موازياً يتمثل في ضرورة توفير معروض كافٍ من المساكن الجديدة، لضمان عدم ارتفاع الأسعار على المواطنين السعوديين.
وقال ماثيو غرين، رئيس أبحاث الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شركة «سي بي آر إي» العقارية، إن القانون الجديد «سيشكل تحولًا حقيقيًا في السوق»، مشيرًا إلى وجود «كم هائل من رؤوس الأموال الراغبة في الدخول، سواء على مستوى التطوير أو التمويل».
ويبدو الحماس واضحًا في السوق العقارية السعودية، خاصة في ظل المقارنة مع تجربة دبي، حيث أسهمت قوانين التملك الحر في تعزيز العرض والطلب، وجذبت مستثمرين من الهند وبريطانيا وروسيا. وفي السعودية، بدأ المطورون بالفعل في تسويق مشاريعهم خارج البلاد، وبناء شبكات علاقات مع وسطاء عقاريين حول العالم.
ورغم ذلك، لا تزال هناك تحديات تتعلق بجاذبية نمط الحياة، إذ إن كثيرًا من الأجانب الأثرياء فضلوا شراء منازل ثانية في دبي، لما توفره من بيئة سياحية وترفيهية أكثر انفتاحًا. وفي المقابل، ما زالت الأعراف الاجتماعية في السعودية أكثر تحفظًا، ورغم إضافة منتجعات سياحية جديدة وتخفيف بعض القيود مؤخرًا، لا تزال الرياض تفتقر إلى بعض المزايا الحياتية المتوفرة في مدن عالمية أخرى.
لكن بعض المستثمرين يرون في السوق السعودية رهانًا أكثر استقرارًا مقارنة بدبي، التي يعتمد اقتصادها السكاني بدرجة كبيرة على الوافدين، الذين غادر بعضهم خلال فترات الركود السابقة. وعلى النقيض، تمتلك السعودية قاعدة سكانية قوية تُقدّر بنحو 35 مليون نسمة، بينهم قرابة 20 مليون مواطن، ما يوفر أساسًا متينًا للطلب المستقبلي. وتشير البيانات الحكومية إلى أن نحو 34% من السعوديين دون سن 14 عامًا، وهو ما يرجح زيادة الطلب على المساكن خلال السنوات المقبلة.
وقالت سنام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس»، إن قطاع الإسكان يمثل محورًا أساسيًا في رؤية ولي العهد، نظرًا لارتباطه بديناميكيات داخلية متعددة، مؤكدة أن تحقيق الشرعية الداخلية يتطلب سياسات ملموسة وتحولات حقيقية تلبي تطلعات الجيل الشاب.
ومن المتوقع أن يسهم القانون الجديد أيضًا في إحياء مشاريع كبرى أطلقتها الحكومة، لكنها قد تواجه صعوبات تمويلية بمفردها، مثل «الدرعية» و«القدية»، نظرًا لقربها من التجمعات السكانية وسرعة العائد الاستثماري المحتملة. كما سيتيح النظام الجديد للمطورين والموردين والمقاولين الأجانب دخول السوق عبر شراكات مع شركات محلية، بشروط أكثر توازنًا.
وبحسب بيانات «نايت فرانك»، يُتوقع بناء أكثر من 600 ألف وحدة سكنية في السعودية بحلول عام 2030، منها 110,942 وحدة مقررة للتسليم في عام 2026 وحده.
لكن التحديات لا تزال قائمة، خصوصًا فيما يتعلق بملف القدرة على تحمل التكاليف. فقد ارتفعت أسعار الشقق في الرياض بنسبة 96% بين مطلع 2019 والربع الثالث من 2025، بينما قفزت أسعار الفلل بنسبة 53%. وأسهمت الهجرة الداخلية إلى الرياض بحثًا عن فرص العمل، إلى جانب تدفق الوافدين مع نقل الشركات مقارها الإقليمية إلى المملكة، في زيادة الضغط على الإيجارات، التي ارتفعت بمتوسط 8.5% سنويًا، وفقًا لـ«سي بي آر إي».
وفي محاولة للحد من هذا الارتفاع، أصدر ولي العهد توجيهات بتجميد زيادات الإيجارات في الرياض لمدة خمس سنوات، متعهدًا بوقف ما وصفه بالارتفاع «غير المقبول» في أسعار العقارات. ويؤكد الخبراء أن السيطرة على الأسعار تتطلب تسريع وتيرة بناء مساكن حديثة وبكلفة مناسبة.
وتقع على عاتق الشركة الوطنية للإسكان مسؤولية محورية في هذا المسار، حيث كُلف الرئيس التنفيذي محمد البطي برفع نسبة تملك المساكن إلى 70% بحلول عام 2030، ما يستدعي بناء مئات الآلاف من الوحدات السكنية. وحتى الآن، أنجزت الشركة نحو 60 ألف وحدة، إلا أن البطي يتوقع تسارع وتيرة التسليم خلال السنوات المقبلة بعد تجاوز العديد من العقبات اللوجستية وسلاسل الإمداد.
ولتحقيق هذا الهدف، لجأت الشركة إلى عقد شراكات مع مطورين من نيوجيرسي إلى مصر، ومع شركات إنشاءات من الصين وكوريا الجنوبية، بهدف تعزيز الطاقة الإنتاجية وبناء سلاسل توريد محلية. وتعمل الشركة حاليًا على تنفيذ أكثر من 164 ألف وحدة سكنية قيد الإنشاء في جدة والدمام ومكة المكرمة والمدينة المنورة.
وأكد البطي أن المشاريع لا تقتصر على بناء مساكن فقط، بل تهدف إلى إنشاء «مدينة داخل مدينة» تضم جميع الخدمات والمرافق الأساسية، من مدارس ومراكز صحية ومناطق ترفيهية وتجارية. وحققت الشركة مبيعات قياسية في عام 2024 بلغت 27 مليار ريال، فيما تجاوزت مبيعات 2025 حاجز 30 مليار ريال، مع تزايد الإقبال على المجتمعات السكنية الجديدة.
نمط أمريكي في المشاريع السكنية
ويعكس هذا التحول تغيرًا اجتماعيًا واضحًا، إذ بدأت المجتمعات السكنية المستوحاة من النمط الأميركي، التي تجمع بين السكن والعمل والترفيه، تحل محل الأبراج السكنية التقليدية. وفي أحد أحياء خزام المكتملة حديثًا، بدت العائلات تستمتع بالمساحات الخضراء القريبة من منازلها، في مشهد لم يكن مألوفًا قبل سنوات، حين كان كثير من السعوديين يفضلون المنازل المنفصلة ذات الأسوار العالية.
ومع ارتفاع تكاليف المعيشة، بات العديد من الشباب السعوديين يفضلون الشقق والمنازل المتلاصقة والمرافق المشتركة، بدلًا من نمط السكن التقليدي للأجيال السابقة.
وفي السياق ذاته، يخطط عبدالرحمن الضيهم، الرئيس التنفيذي لشركة «ليوان» للتطوير العقاري، لإطلاق مشروع جديد بقيمة 4.5 مليار ريال يضم 2,500 وحدة سكنية وفندقًا يضم 300 غرفة في العاصمة. وبعد استثمارات سابقة في تركيا ودبي، يرى الضيهم أن المستقبل بات في السوق المحلية، خاصة مع اقتراب فتح التملك للأجانب.
وأشار إلى تزايد اهتمام المستثمرين الإقليميين، إضافة إلى صندوق صيني أبدى رغبته في الاستثمار في أحد مشروعات الشركة. ويتوقع خبراء، من بينهم ماثيو غرين، أن تدخل المؤسسات الاستثمارية الكبرى السوق السعودية بوتيرة أسرع مقارنة بتجربة دبي، نظرًا لخبرتها المتراكمة في أسواق المنطقة.
ويخلص تقرير بلومبرغ إلى أن القواعد الجديدة ستفتح الباب أمام مزيد من الاستثمارات والمطورين والشراكات، في وقت تستعد فيه السعودية لمرحلة جديدة من التحول العقاري والاقتصادي واسع النطاق.







