هل أرضك خاضعة للرسم فعلاً؟ حقوق قد يجهلها كثير من مُلّاك الأراضي البيضاء.. لم تُقرّ رسوم الأراضي البيضاء بوصفها عقوبة على التملك، ولا باعتبارها انتقاصًا من الحق الأصيل في الملكية الخاصة، وإنما جاءت كأداة تنظيمية تستهدف معالجة اختلالات عمرانية واقتصادية، وتحفيز تطوير الأراضي داخل النطاقات الحضرية، بما يخدم التخطيط المتوازن للمدن ويحد من تعطيل الاستفادة من الأراضي.
غير أن مشروعية الهدف، مهما بلغت وجاهته، لا تعني بالضرورة سلامة التطبيق في جميع حالاته. فالتنظيم في جوهره وسيلة لتحقيق المصلحة العامة، لا غاية تُمارس بمعزل عن الضمانات النظامية المكفولة للأفراد. ومن هنا يبرز الحديث عن حقوق مُلّاك الأراضي البيضاء بوصفها حقوقًا قائمة بذاتها، لا تسقط لمجرد إخضاع الأرض للرسم.
فالملكية الخاصة مصونة في أصلها، ولا يجوز تقييدها أو ترتيب أعباء مالية عليها إلا وفق ضوابط محددة، وبالقدر الذي يحقق التوازن بين المصلحة العامة وحقوق المالك. وإخضاع الأرض للرسم لا يُحوّل المالك إلى مجرد مكلّف بالسداد، بل يبقيه صاحب مركز نظامي كامل، له حق الفحص والاعتراض والمساءلة متى وُجد موجب لذلك.
حق التحقق من مشروعية الخضوع للرسم
من أبرز حقوق مالك الأرض البيضاء أن يتحقق من سلامة الأساس النظامي الذي بُني عليه إخضاع أرضه للرسم. فليس كل أرض غير مطوّرة تُعد بالضرورة خاضعة، إذ يرتبط الخضوع بتوافر شروط وضوابط تتعلق بالموقع داخل النطاق العمراني، وقابلية التطوير، وانتفاء الموانع التنظيمية أو التخطيطية أو النظامية.
وأي خطأ في توصيف الأرض، أو تعميم في إخضاعها للرسم دون فحص واقعها الفعلي، أو تجاهل لمعوق جوهري يمنع تطويرها، يُعد مساسًا بحق المالك في ألا يُحمّل عبئًا ماليًا بغير مسوغ صحيح، ويُشكّل أساسًا مشروعًا للاعتراض النظامي.
حق الاطلاع والشفافية في التقييم
يملك المالك حقًا أصيلًا في الاطلاع على الأسس والمعايير التي جرى على أساسها احتساب الرسم، سواء من حيث المساحة المعتمدة، أو المرحلة التطويرية المفترضة، أو البيانات التي بُني عليها التقييم. فالشفافية هنا ليست إجراءً شكليًا، بل ضمانة جوهرية تُمكّن المالك من فهم مركزه النظامي وتقييم مشروعية القرار الصادر بحقه.
وكلما شاب التقييم غموض، أو افتقر إلى بيان واضح لعناصره المؤثرة، تعزّز حق المالك في مساءلة القرار وسلوك المسار النظامي لمراجعته أو الاعتراض عليه.
حق الاعتراض وسلوك المسار النظامي
الاعتراض على رسوم الأراضي البيضاء حق نظامي مقرر، وليس استثناءً أو منحة إدارية، ويشمل ذلك الاعتراض على أصل الخضوع، أو على مقدار الرسم، أو على أي عنصر من عناصر التقييم المؤثرة في نتيجته.
غير أن هذا الحق لا يُمارَس على نحو إنشائي أو عاطفي، بل يتطلب تسبيبًا نظاميًا دقيقًا، وربطًا منضبطًا بين واقع الأرض الفعلي والضوابط الحاكمة لتطبيق الرسم. فالاعتراض في حقيقته مسار قانوني قائم بذاته، يقوم على التحليل والتكييف، لا مجرد طلب إداري عابر.
حق عدم تحميل المالك تبعة ما لا يد له فيه
من المبادئ المستقرة أن الالتزام لا يُبنى على المستحيل، فإذا كانت الأرض غير قابلة للتطوير لأسباب خارجة عن إرادة المالك، كتعذر إيصال الخدمات، أو وجود قيود تنظيمية أو تخطيطية قائمة، فإن تحميله رسومًا على أساس افتراض تطوير غير ممكن يُعد إخلالًا بمبدأ العدالة النظامية ومجاوزة لمقصود التنظيم.
فالتنظيم لا يستقيم إذا بُني على افتراضات نظرية تتجاهل الواقع، ولا يحقق غايته إذا تحوّل إلى عبء يُفرض دون تمييز بين من يملك القدرة الفعلية على التطوير ومن حُرمها قسرًا.
حق التناسب والعدالة في التطبيق
الرسوم – وإن كانت مشروعة من حيث المبدأ – يجب أن تُطبّق وفق معيار التناسب، بحيث تظل أداة تحفيز لا وسيلة إنهاك، وتنظيمًا رشيدًا لا غاية جباية، ومن ثمّ، فإن من حق المالك أن يُعامل على قدم المساواة مع غيره، دون انتقائية أو تفاوت غير مبرر في التطبيق أو التقدير.
فالتفاوت غير المبرر، أو التشدد في حالات دون أخرى، يُضعف الثقة في التنظيم، ويُفرغه من مقصده الإصلاحي، ويُحوّل الرسم من وسيلة علاجية إلى عبء مثير للنزاع.
خاتمة
إن الحديث عن حقوق مُلّاك الأراضي البيضاء لا يُقصد به معارضة التنظيم أو تعطيل أهدافه، بل هو تأكيد على أن نجاح أي سياسة عامة مرهون بعدالة تطبيقها، وباحترامها للضمانات النظامية المكفولة للأفراد.
فالمالك الواعي ليس خصمًا للتنظيم، بل شريكًا فيه، متى شعر بأن حقه مصون، وأن التزامه بُني على أساس صحيح، ومن هنا، فإن الوعي بهذه الحقوق، وممارستها عبر المسار النظامي السليم، لا يحمي المالك فحسب، بل يُسهم في تصحيح التطبيق، ويحقق التوازن المنشود بين المصلحة العامة وحماية الملكية الخاصة.
ويُلاحظ عمليًا أن عددًا غير قليل من قرارات الرسوم يكون قابلًا للمراجعة والتصحيح متى عُرض على نحو نظامي مهني، وهو ما يجعل الفحص القانوني المبكر والاعتراض المؤسس خطوة حاسمة لا ينبغي إغفالها.
@Dr_alkharji






