قراءة قانونية في نظام نزع ملكية العقارات ووضع اليد المؤقت

تحليل للنظام الجديد لنزع الملكية ووضع اليد المؤقت بين ضمان المصلحة العامة وصون الملكية الخاصة وتعويض الملاك.
عقارات الرياض

نشر في

لم تعد مسألة نزع ملكية العقارات في المشاريع العامة شأناً إجرائياً عارضاً، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لمدى قدرة النظام القانوني على تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية وحرمة الملكية الخاصة. ومن هنا جاء نظام نزع ملكية العقارات للمصلحة العامة ووضع اليد المؤقت على العقارات بصيغته الجديدة، ليعيد صياغة هذه العلاقة على أسس أكثر انضباطاً وعدالة.

النظام الجديد ينطلق من مبدأ جوهري مفاده أن الملكية الخاصة أصل مصون، لا يجوز المساس به إلا استثناءً، وبشروط صارمة، وعلى رأسها تحقق المصلحة العامة وتحقيق التعويض العادل. هذا المبدأ لم يأتِ بصيغة إنشائية، بل جرى تحويله إلى قاعدة ملزمة تضبط مشروعية القرار الإداري من أساسه، وتجعل أي تجاوز لها قابلاً للطعن والمساءلة.

قيود على نزع الملكية

ومن أبرز ما يحسب للنظام أنه قيّد سلطة الجهة الإدارية قبل الشروع في إجراءات النزع أو وضع اليد المؤقت، فلم يعد القرار الإداري كافياً بذاته، بل اشترط النظام التحقق المسبق من عدم وجود عقارات مملوكة للدولة تفي بالغرض. وهذا القيد يعكس تحوّلاً نوعياً في فلسفة التنظيم، إذ يجعل نزع ملكية الأفراد خياراً أخيراً لا يُلجأ إليه إلا بعد استنفاد البدائل العامة، وينقل عبء الإثبات من المالك إلى الجهة صاحبة المشروع.

كما أن النظام لم يترك مفهوم “المصلحة العامة” فضفاضاً أو خاضعاً للتأويل الإداري الواسع، بل ضبطه بضوابط موضوعية، وربطه بتحقيق نفع عام راجح، سواء في مجالات البنية التحتية، أو التخطيط العمراني، أو الخدمات الأساسية، أو حماية الأمن والصحة العامة. هذا التحديد يحدّ من التوسع غير المبرر، ويمنح القضاء معياراً واضحاً لرقابة مشروعية القرار.

نقلة حقيقية للتعويض

أما على صعيد التعويض، فقد مثّل النظام نقلة حقيقية مقارنة بالتنظيم السابق. فلم يعد التعويض محصوراً في القيمة السوقية المجردة، بل أضاف النظام زيادة إلزامية بنسبة عشرين في المئة من قيمة العقار المنزوع، إلى جانب التعويض عن الأضرار الناتجة عن إجراءات النزع ذاتها. وبهذا انتقل التعويض من مجرد “تسعير” للأصل إلى معالجة الأثر الكامل الذي يلحق بالمالك نتيجة فقد ملكيته قسراً. وفيما يتعلق بوضع اليد المؤقت، تعامل النظام معه بوصفه إجراءً استثنائياً مستقلاً، لا يجوز أن يتحول إلى نزع مقنّع. فأوجب ألا يقل التعويض عن أجرة المثل، وأضاف إليها زيادة نسبتها عشرون في المئة، مع التعويض عن الأضرار. كما وضع سقفاً زمنياً صارماً لهذا الإجراء، لا يتجاوز ثلاث سنوات، ولا يمدد إلا بموافقة المالك واللجنة المختصة، وإلا وجب الإخلاء. وهذه الأحكام تقطع الطريق على أي استخدام ممتد أو تعسفي لهذا الإجراء تحت ذريعة الطابع المؤقت.

إنشاء لجنة متعددة الجهات

ومن أبرز مظاهر الحوكمة التي أقرها النظام، إنشاء لجنة متعددة الجهات لنزع الملكية ووضع اليد المؤقت، تضم جهات سيادية ورقابية، وتُسند إليها مهمة التحقق من توافر المصلحة العامة، والملاءة المالية، وعدم وجود بدائل، وملاءمة نوع التعويض. هذا البناء المؤسسي يحدّ من القرارات الفردية، ويعزز مبدأ القرار الجماعي المسبب، ويرفع من مستوى الشفافية والانضباط الإداري. كذلك أولى النظام عناية خاصة بإجراءات التقييم، فألزم بإسنادها إلى مقيمين معتمدين، ومراجعتها من لجنة مستقلة، واستبعاد أي تقييم لا يتفق مع المعايير المهنية، واعتماد المتوسط. وهو ما يقلل من احتمالات التقييم المنخفض أو غير العادل، ويمنح المالك قدراً أعلى من الاطمئنان.

وفي جانب الإخلاء، قرر النظام قاعدة بالغة الأهمية، وهي عدم جواز إخلاء العقار قبل استكمال صرف التعويض، إلا في حالات استثنائية محددة، مع منح المالك حق إعادة التقدير إذا طال تأخر الصرف، واعتماد الأعلى في حال اختلاف القيم. وبهذا نقل النظام عبء الزمن من كاهل المالك إلى الجهة الإدارية، وهو تصحيح طال انتظاره في التطبيق العملي.

حماية الغير من غير الملاك

ولم يغفل النظام حماية الغير من غير الملاك ممن قد يتضررون من إجراءات النزع أو وضع اليد، فأقر صراحة حقهم في المطالبة بالتعويض، كما حفظ للمالك حق التصرف في عقاره رغم سريان الإجراءات، ومنع تضارب المصالح، وفتح باب الاعتراض القضائي على القرارات الصادرة بموجب النظام.

وخلاصة القول، أن هذا النظام لا يمثّل مجرد تحديث إجرائي، بل يعكس تحولاً تشريعياً في نظرة المنظّم إلى الملكية الخاصة، بوصفها حقاً أصيلاً لا يُضحّى به باسم التنمية، وإنما تُدار العلاقة معه بضمانات، وتعويضات، وحوكمة، توازن بين حق الفرد ومتطلبات الصالح العام. وإذا ما طُبّق هذا النظام بروح نصوصه، لا بحرفيتها فقط، فإننا أمام إطار قانوني قادر على دعم مشاريع التنمية، دون أن يكون ذلك على حساب العدالة أو الثقة في القرار الإداري.

@Dr_alkharji