Real estate brokerage commission: Does the absence of a written contract prevent claiming it?

A recent judicial trend distinguishes between hearing a claim for a brokerage commission and proving it, and allows proof by alternatives to a written contract.

Evidence System - Real Estate Brokerage

Posted in

قراءة قانونية في التوثيق والإثبات على ضوء توجه المحكمة العليا

قد ينجح وسيط عقاري في إتمام صفقة بملايين الريالات، ويجمع بين البائع والمشتري، ويمضي في المفاوضات حتى تنتهي إلى البيع، ثم يجد نفسه أمام نزاع لا يتعلق بما بذله من جهد، ولا بما تحقق من صفقة، وإنما بسؤال قانوني قد يتوقف عليه مصير مطالبته بالعمولة: هل يمنعه غياب عقد الوساطة المكتوب أو عدم إيداعه لدى الهيئة العامة للعقار من اللجوء إلى القضاء؟

تنبع أهمية هذا السؤال من المادة السابعة من نظام الوساطة العقارية، التي أوجبت أن يكون عقد الوساطة مكتوبًا، وأن يودع الوسيط نسخة منه لدى الهيئة العامة للعقار، ونصت على عدم الاحتجاج بالعقد إلا بذلك. وهو تنظيم يعكس حرص المنظّم على ضبط نشاط الوساطة العقارية، وحماية أطراف التعامل، والحد من المنازعات المتعلقة بالعمولات والالتزامات التعاقدية.

غير أن الإشكال لم ينشأ من وجوب التوثيق، فهو التزام نظامي واضح، وإنما من الأثر القضائي المترتب على تخلفه. فهل يعني عدم استيفاء هذا الإجراء امتناع المحكمة عن سماع دعوى المطالبة بالعمولة، أم أن أثره ينصرف إلى إثبات العلاقة التعاقدية، مع بقاء حق المدعي في عرض مطالبته وإقامة الدليل عليها؟

وهنا يظهر الفارق بين مسألتين كثيرًا ما تختلطان في المنازعات القضائية: سماع الدعوى وثبوت الحق. فالأولى تتعلق بإمكان نظر المحكمة في المطالبة، أما الثانية فتتعلق بمدى كفاية الأدلة لإثبات الالتزام المدعى به. وقد تُسمع الدعوى ثم تُرفض لعدم ثبوت الحق، كما قد تُسمع ويُحكم فيها للمدعي متى اكتملت أركان المطالبة وأدلتها.

الإثبات بالكتابة والإقرار القضائي

وقد برز هذا التمييز فيما نُشر عن قرار المحكمة العليا رقم (8734131)، المؤرخ في 09/02/1448هـ، بشأن دعوى المطالبة بعمولة وساطة عقارية لم يُودع عقدها لدى الهيئة. وبحسب ما نُقل عن أسباب القرار، فإن المحكمة اتجهت إلى أن المادة السابعة لم ترتب جزاء عدم سماع الدعوى على تخلف الإيداع، وأن اشتراط التوثيق يتصل بإثبات عقد الوساطة، مع إمكان الاستعاضة عن الكتابة بوسائل الإثبات التي يجيزها النظام.
ولا يقف هذا التفسير عند حدود المادة السابعة؛ إذ يجد سنده في القواعد العامة للإثبات. فقد أجازت المادة الحادية والخمسون من نظام الإثبات، في الأحوال التي يجب فيها الإثبات بالكتابة، أن يحل محلها الإقرار القضائي، أو اليمين الحاسمة، أو مبدأ الثبوت بالكتابة المعزز بطريق إثبات آخر.

ومعنى ذلك أن غياب العقد المكتوب لا يؤدي بالضرورة إلى إغلاق باب المطالبة القضائية، ولكنه لا يجعل إثبات العقد متاحًا بجميع الوسائل دون ضابط. فالإقرار القضائي له أحكامه، واليمين الحاسمة لها شروطها وآثارها، ومبدأ الثبوت بالكتابة لا يتحقق بمجرد ادعاء الوسيط أو تقديم مراسلات صادرة منه وحده؛ بل يتطلب كتابة صادرة من الخصم تجعل وجود التصرف المدعى به قريب الاحتمال، ويعززها دليل آخر.

ولنتصور وسيطًا تمكن من تقريب وجهات النظر بين مالك عقار ومشترٍ حتى تمت الصفقة، ثم طالب بعمولته، فدفع الطرف الآخر بعدم توثيق عقد الوساطة، رغم إقراره أمام المحكمة بأنه كلّف الوسيط بإتمام الصفقة. في مثل هذه الحالة، يثور التساؤل: هل يجوز أن يكون عدم الإيداع سببًا لعدم سماع الدعوى ابتداءً، دون بحث أثر ذلك الإقرار في إثبات العلاقة والالتزام؟

إن الاتجاه القضائي المشار إليه يفتح المجال أمام المحكمة لبحث هذه الأدلة، دون أن يعني بالضرورة الحكم باستحقاق العمولة. فثبوت قيام الوساطة لا يكفي وحده في كل الأحوال؛ إذ يتعين كذلك تحديد الطرف الملزم بالدفع، والتحقق من تحقق شروط الاستحقاق، وما إذا كانت الصفقة قد تمت وفق العلاقة التعاقدية التي يستند إليها الوسيط.

وقد عالج نظام الوساطة العقارية هذه الجوانب بنصوص واضحة؛ فالمادة الرابعة عشرة جعلت الأصل في تحمل العمولة على الطرف المتعاقد مع الوسيط، وحددت نسبتها النظامية ما لم يوجد اتفاق كتابي على خلاف ذلك، بينما بيّنت المادة الخامسة عشرة حالات استحقاقها، ومن بينها إتمام الصفقة التي توسط بها الوسيط وفق عقد الوساطة وخلال المدة المحددة نظامًا.

ومن ثم، فإن الحكم بسماع الدعوى لا يعني أن كل من ساهم في إتمام صفقة عقارية أصبح مستحقًا للعمولة، كما أن إثبات العلاقة التعاقدية لا يعفي من بحث بقية شروط الاستحقاق. وبالمقابل، فإن الدفع بعدم التوثيق لا ينبغي أن يتحول تلقائيًا إلى وسيلة تحول دون نظر المطالبة متى لم يرتب النظام على تخلفه ذلك الجزاء.

العلاقة التعاقدية لا تعفي شروط الاستحقاق

ولا يعني هذا التوجه التساهل في توثيق عقود الوساطة أو التقليل من أهمية الالتزام بمتطلبات الهيئة العامة للعقار. فالتوثيق ليس إجراءً شكليًا مجردًا، بل ضمانة لحماية الوسيط والمتعامل معه، وتحديد نطاق التكليف ومدته والعمولة المستحقة، والحد من المنازعات التي يصعب حسمها عند غياب المستندات. كما أن إمكان سماع المطالبة لا يلغي المسؤولية عن المخالفات التنظيمية متى تحققت شروطها.

والقيمة القانونية الأوسع لهذا التفسير أنه يبرز أهمية التمييز بين الالتزام النظامي والجزاء المترتب على مخالفته؛ فليس كل إجراء أوجبه المنظّم يجوز أن يترتب على تخلفه منع سماع الدعوى، ما لم يقم سند نظامي لهذا الأثر. كما أن حماية الحقوق لا تقتضي إهدار متطلبات التنظيم، وإنما تستلزم إنزال كل حكم نظامي في موضعه الصحيح.

وهنا تتجلى وظيفة القضاء في تحقيق التوازن بين استقرار التعاملات وحماية الحقوق؛ فلا يتحول التوثيق إلى إجراء يمكن تجاوزه بلا أثر، ولا تتحول مخالفته إلى سبب لإهدار المطالبات دون بحث ما يقدم بشأنها من أدلة معتبرة.

فالعدالة لا تتحقق بمجرد فتح أبواب القضاء أمام أصحاب المطالبات، ولا بمجرد التشدد في الإجراءات، وإنما تتحقق حين يُعطى كل نص أثره الصحيح، ويُمنح كل حق فرصة إثباته، ثم يُقضى فيه وفق أحكام النظام.
@Dr_alkharji

أقرأ أيضا للكاتب:
عيوب البناء الخفية.. كيف تحمي حقك قبل فوات مدة المطالبة؟

اكتتابات الشركات العقارية.. هل كانت التقييمات تعكس المخاطر؟

قراءة قانونية في تصفية عقارات الورثة والشركاء

التحول الرقمي في جمعيات الملاك… بين كفاءة المنصة وحقوق الملاك