إعلان
Big 5

قراءة قانونية في تصفية عقارات الورثة والشركاء

المادة 628 توازن بين حق الشريك في الخروج من الشيوع وحماية العقار من البيع بالمزاد متى أمكن بدائل عادلة.
Evidence Law - Real Estate Transactions - Companies Law

Posted in

من أكثر المشكلات شيوعًا في الأموال العقارية المشتركة أن يبقى العقار سنوات بين الورثة أو الشركاء دون حسم؛ بعضهم يريد الاحتفاظ به، وبعضهم يريد استثماره، وآخر يريد البيع والحصول على نصيبه. ومع مرور الوقت قد يتحول اختلاف المصالح إلى نزاع قضائي، وتصبح عبارة «البيع بالمزاد العلني» هي النتيجة التي يخشاها الجميع.
لكن هل يكفي أن يطلب وارث أو شريك القسمة حتى يباع العقار كله بالمزاد؟
الإجابة أدق من ذلك.

الأصل أن الشريك لا يُجبر على البقاء في الشيوع، وله أن يطلب القسمة ما لم يوجد اتفاق أو نص يمنعها، أو كانت طبيعة تخصيص المال تقتضي بقاءه على الشيوع. وفي المقابل، فإن حق أحد الشركاء في الخروج لا يعني بالضرورة أن عقارًا يملكه عدد من الورثة أو الشركاء يجب أن يباع كاملًا لمجرد رغبة أحدهم في الحصول على قيمة حصته.
وهنا تظهر أهمية المادة (628) من نظام المعاملات المدنية، التي أقامت توازنًا دقيقًا بين حق الشريك الراغب في الخروج من الشيوع، ومصلحة بقية الشركاء في المحافظة على المال المشترك.
فإذا كان العقار قابلًا للقسمة عينًا دون أن يترتب على ذلك تعطيل الانتفاع به أو نقص كبير في قيمته، فإن الأصل هو قسمته بين الشركاء. وهذا يعني أن المسألة لا تقف عند إمكان تقسيم الأرض أو المبنى هندسيًا، بل تمتد إلى أثر هذه القسمة في منفعة العقار وقيمته الاقتصادية. فقد يكون العقار قابلًا للتجزئة من الناحية الفنية، لكن تقسيمه يؤدي عمليًا إلى إضعاف قيمته، أو الإضرار بإمكان تطويره، أو الانتقاص من منفعته.

أما إذا كان من شأن القسمة عينًا تعطيل الانتفاع بالمال أو إحداث نقص كبير في قيمته، فإن الأصل أن يباع بالمزاد، ما لم يتفق الشركاء على غير ذلك. ومع ذلك، لم يجعل النظام بيع المال كاملًا نتيجة حتمية في جميع الأحوال، بل وضع قيدًا مهمًا يستحق أن يعرفه كل وارث وشريك. فإذا كان طالب القسمة يستطيع بيع حصته منفردة بما لا يقل عن قيمتها فيما لو بيع المال كاملًا، فلا يُلزم بقية الشركاء بالبيع معه. أما إذا كان بيع حصته منفردة سيؤدي إلى نقص قيمتها، فيجوز لبقية الشركاء توقي بيع المال بالمزاد إذا دفعوا لطالب القسمة مقدار ما نقص من قيمة حصته بسبب بيعها منفردة.
وهذه معالجة نظامية بالغة الأهمية؛ لأنها تفتح طريقًا ثالثًا بين إجبار الشريك على البقاء في ملكية لا يريدها، وإجبار جميع الشركاء على بيع أصل عقاري كامل.
ولنتصور عقارًا تبلغ قيمته عشرة ملايين ريال، يملك أحد الورثة عُشره. فإذا كانت قيمة حصته بالنظر إلى قيمة العقار كاملًا مليون ريال، وكان يستطيع بيع حصته الشائعة بهذا المقدار، فلا يكون طلبه الخروج سببًا لإلزام بقية الورثة ببيع العقار كاملًا. أما إذا كانت حصته لا تباع منفردة إلا بأقل من ذلك، فإن النظام يتيح لبقية الشركاء معالجة هذا النقص وفق الضوابط التي قررها، بما قد يحفظ العقار من الوصول إلى المزاد.
ومن هنا تتغير طريقة النظر إلى تصفية عقارات الورثة والشركاء.

فالمشكلة ليست في أن أحد الورثة يريد الحصول على حقه؛ فهذا حق لا ينبغي أن يتحول الحفاظ على العقار إلى وسيلة لتعطيله. كما أن تمسك بقية الورثة بالعقار قد يكون له ما يبرره؛ فقد يكون أصلًا عائليًا مهمًا، أو استثمارًا ناجحًا، أو عقارًا متميزًا يتوقع ارتفاع قيمته. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصل الجميع إلى النزاع قبل دراسة البدائل القانونية والاقتصادية المتاحة.
فحماية العقار من البيع بالمزاد لا تبدأ عند الإعلان عن المزاد، بل قبل ذلك بكثير: بتقييم العقار تقييمًا مهنيًا، ودراسة إمكان قسمته دون الإضرار بمنفعته أو قيمته، وتحديد القيمة الاقتصادية للحصص الشائعة، وبحث إمكانية شراء حصة الراغب في الخروج، أو الوصول إلى تسوية تعطيه حقه دون التضحية بالعقار كاملًا.

وتزداد أهمية ذلك عندما تكون التركة مشتملة على أكثر من عقار أو على أموال متنوعة. ففي هذه الحالة قد يكون من الممكن، باتفاق الورثة وبعد مراعاة الحقوق المتعلقة بالتركة، توزيع الأعيان بينهم بطريقة تؤول معها بعض العقارات إلى بعض الورثة، ويعوض الآخرون بأعيان أو مبالغ أخرى، مع معالجة فروق الأنصبة. وقد يكون هذا أكثر حفاظًا على قيمة التركة من بيع أصولها واحدًا بعد الآخر.
ولهذا فإن تصفية الأموال العقارية المشتركة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مرادفًا للبيع.

التصفية الناجحة ليست بالضرورة التي تنتهي بالمزاد، وإنما التي يحصل فيها كل صاحب حق على حقه، مع المحافظة -قدر الإمكان- على القيمة الاقتصادية للمال المشترك. وقد يكون المزاد في بعض الحالات هو الحل النظامي الذي لا مفر منه، ولا سيما عندما تتعذر القسمة ولا تتحقق البدائل التي تحفظ حقوق الأطراف. لكنه لا ينبغي أن يكون أول فكرة تطرح عند اختلاف الورثة أو الشركاء، ولا النتيجة التي يصلون إليها بسبب تأخرهم في معالجة الملكية المشتركة.
فالتركة التي بناها مورث خلال عقود قد تضم عقارات ذات قيمة استثمارية عالية، كما قد يكون العقار المشترك ثمرة استثمار طويل بين شركاء، وليس من الحكمة أن يؤدي الخلاف على طريقة خروج أحدهم إلى بيع الأصل كاملًا قبل دراسة البدائل التي أتاحها النظام.
لذلك فإن السؤال الأهم قبل أن يصل العقار إلى المزاد ليس: كيف نمنع أحد الشركاء من البيع؟

بل: كيف يحصل من يريد الخروج على حقه، ويحافظ الباقون -متى كان ذلك ممكنًا- على العقار وقيمته؟ هنا تتحول تصفية عقارات الورثة والشركاء من نزاع على البيع إلى إدارة قانونية واعية للملكية والثروة المشتركة.
@Dr_alkharji