تسعير المشاريع السكنية.. عوامل متذبذبة مع سيكولوجية العرض

تحليل يوضح دور الموقع، وسيكولوجية العرض والطلب، والخدمات، والتمويل البنكي في صياغة تسعير عادل للمشاريع السكنية
استطلاع تسعير المشاريع السكنية

Posted in

تتعدد العوامل المتحكمة في تسعير المشاريع السكنية، ويظل الموقع الاستراتيجي المحرك الأول للقيمة السوقية، كما تلعب سيكولوجية العرض والطلب، وتوافر الخدمات، والملاءة المالية للمستفيدين أدوارًا حاسمة، إضافة إلى تأثير المشاريع النوعية ونسب التمويل البنكي في رسم السياسات السعرية العادلة والمستدامة.

محمد الجعيد: الموقع والقوة الشرائية يحكمان معادلة التسعير

أكد الأستاذ محمد بن نايف الجعيد، عضو اللجنة العقارية بغرفة الرياض، أن «الموقع» يظل الرقم الصعب والعامل الحاسم الأول في تقييم أي مشروع عقاري حول العالم. وأوضح الجعيد في رؤية تحليلية لسياسات التسعير، أن القيمة الحقيقية للعقار لا ترتبط فقط بالمساحة أو الإطلالة، بل بمدى حيوية الموقع والقوة الشرائية المحيطة به.

فلسفة الموقع وسيكولوجية الطلب

يرى الجعيد أن تفاوت الأسعار العالمي يثبت أن الموقع هو المحرك الأساسي؛ فقد نجد عقارات ساحلية في دول معينة بأسعار زهيدة، بينما تصل أسعار قطع صغيرة في مناطق صناعية أو حيوية مكتظة إلى ملايين الدولارات. وأشار إلى أن القاعدة الذهبية التي تحكم السوق هي «التوازن بين العرض والطلب»؛ فكلما زاد الزخم على منطقة معينة، ارتفعت قيمتها السوقية تلقائيًا، مدعومة بالمزايا والخدمات اللوجستية المحيطة.

تضارب التسعير بين الشركات

وفيما يخص آليات تحديد الأسعار، كشف الجعيد عن فجوة في المنهجية بين الشركات؛ حيث تعتمد المنشآت الصغيرة غالبًا على «محاكاة السوق المحلي» والمحيط المباشر من البائعين والمطورين. في المقابل، تتبنى الشركات الكبرى سياسة «الاستشراف العلمي»، حيث تبدأ عملية التسعير من دراسات الجدوى المعمقة، وتحليل التوقعات للسوقين المحلي والعالمي، والاعتماد على مؤشرات دقيقة لقياس القيمة قبل طرح الوحدات، مما يمنح تسعيرها مصداقية وثباتًا أكبر.

المشاريع الكبرى وتملك الأجانب.. محركات النمو

وأشاد الجعيد بالقرارات الحكيمة التي تضمن استقرار السوق السعودي، مؤكدًا أن الدولة التي تقبل على مشاريع نوعية وضخمة (مثل مشاريع الرؤية) من الطبيعي أن يشهد قطاعها العقاري ازدهارًا ينعكس على رغبة المشترين وشهية المستثمرين. كما لفت إلى أن قرارات السماح بتملك الأجانب تمثل وقودًا إضافيًا يعزز الطلب، مما يساهم في ارتفاع الأسعار بشكل «طفيف ومتدرج» يخدم حيوية السوق واستدامته.

يحيى القحطاني: السوق العقاري يعاني من فجوات سعرية  

بدوره عبر يحيى القحطاني، وسيط عقاري، رؤيته حول واقع السوق السكني الحالي، مشيرًا إلى وجود فجوة حقيقية بين مستويات الأسعار السائدة وبين القدرة المالية لشرائح عريضة من المواطنين.

فجوة الدخل وتحدي التملك

أكد القحطاني أن نسبة كبيرة من متوسطي الدخل لا تزال تواجه صعوبات حادة في تملك السكن الملائم، معتبرًا أن الأسعار الحالية لا تتناسب إطلاقًا مع الملاءة المالية لهذه الفئة، واستشهد القحطاني بمثال واقعي بأن الموظف الذي يتقاضى راتبًا في حدود 13 ألف ريال، يجد نفسه عاجزًا عن شراء فيلا تتراوح قيمتها بين 900 ألف ومليون ريال، مشددًا على أن الحديث هنا يتركز على «الفلل» كخيار أساسي للعائلات الكبيرة التي لا تلائمها الشقق أو الدوبلكسات الصغيرة، لضمان حياة كريمة ومستقرة.

«التوازن العقاري» وضغوط التمويل

أضاف القحطاني أن القطاع العقاري يتطلع إلى أسعار معقولة ترتقي لمستهدفات «منصة التوازن العقاري» وتنسجم مع توجيهات القيادة الرشيدة لجعل المسكن في متناول الجميع. كما أكد أن الارتفاع الحالي في نسب الفوائد البنكية شكّل عائقًا إضافيًا، مما أدى إلى تراجع ملحوظ في القوة الشرائية لدى الكثير من الراغبين في التملك، نتيجة الضغوط المادية والأقساط العالية التي ترهق ميزانية الأسرة.

ضرورة تصحيح المسار السعري

وفي ذات السياق، أبان القحطاني أن السوق يمضي نحو التصحيح الذي نتمناه يخدم فئة متوسطي الدخل تحديدًا، لافتًا إلى أن العوائل ذات الأعداد الكبيرة تحتاج إلى مساحات مستقلة (فلل) بأسعار ميسرة ومميزة. واختتم حديثه بأن التوجهات الحالية من الجهات المختصة تبعث على التفاؤل، وهي تلامس الحلولُ جوهرَ المشكلة المتمثل في الموازنة بين جودة المنتج السكني وقدرة المواطن على سداد ثمنه دون إخلال بجودة حياته.

أحمد الصائغ: القيمة المضافة تحدد اتجاهات الأسعار

من جانبه، أوضح أحمد الصائغ، مدير مشاريع عقارية، أن تسعير المشاريع السكنية لم يعد يعتمد على عامل واحد كما كان سابقًا، بل أصبح نتيجة معادلة متوازنة تجمع بين التكلفة الفعلية، والقيمة المضافة التي يقدمها المشروع، والقوة الشرائية للفئة المستهدفة، مع اختلاف وزن كل عنصر حسب الموقع وطبيعة المشروع. ويشير الصائغ إلى أن التكلفة الكلية ما زالت تمثل الأساس في عملية التسعير، خاصة في ظل الارتفاع المستمر لأسعار مواد البناء وزيادة قيمة الأراضي داخل المدن وخارجها، مؤكدًا أن هذه التكلفة تضع حدًا أدنى لا يمكن للمطور النزول عنه دون التأثير على جودة التنفيذ أو المعايير الإنشائية.

المشتري يبحث عن نمط حياة متكامل

في المقابل، أصبحت المزايا والخدمات المحيطة بالمشروع عنصرًا حاسمًا في تحديد السعر، لا سيما في المشاريع الواقعة داخل المدن أو القريبة من المدارس والمستشفيات ومراكز الأعمال. ويؤكد الصائغ أن المشتري اليوم لم يعد يبحث عن وحدة سكنية فقط، بل عن نمط حياة متكامل، وهو ما يمنح المطور مرونة أكبر في التسعير عندما تتوفر قيمة مضافة حقيقية. أما القوة الشرائية، فتظهر أهميتها بشكل أكبر في المناطق الفرعية، حيث يحرص المطورون على مواءمة تصميم المنتج السكني مع القدرة الشرائية للسكان قبل تحديد السعر النهائي، لضمان قبول السوق واستدامة الطلب.

برنامج «وافي» قلل رأس المال

وحول اختلاف سياسات التسعير بين المشاريع الكبرى والصغرى، يوضح الصائغ أن المطورين الكبار يعملون وفق نموذج تطوير طويل الأمد يقوم على إنشاء مجتمعات متكاملة، ويعتمدون بشكل كبير على البيع على الخارطة عبر أطر تنظيمية مثل برنامج «وافي»، ما يقلل الحاجة إلى رأس مال ضخم في المراحل الأولى ويخفض المخاطر التمويلية. وعلى العكس، يتحمل المطورون الصغار تكلفة شراء الأرض وتمويل البناء بالكامل، وهو ما يرفع حجم المخاطر وينعكس غالبًا على ارتفاع أسعار الوحدات السكنية مقارنة ببعض المشاريع الكبرى.

وبشأن التوقعات المستقبلية، يتوقع أحمد الصائغ أن يشهد السوق العقاري خلال العامين المقبلين استقرارًا نسبيًا في الأسعار في ظل نتائج التوازن العقاري، مع تفوق نسبي للمشاريع الكبرى القادرة على تقديم أسعار أكثر تنافسية، مقابل تحديات أكبر تواجه المشاريع الصغيرة. ويؤكد أن السوق يتجه نحو مرحلة أكثر نضجًا، مع تزايد الاعتماد على برامج تنظيمية مثل «وافي» في البيع والتأجير، بما يعزز استقرار السوق وثقة المستثمرين والمشترين على حد سواء.