إعلان
Big 5

استطلاع: كيف تواجه مواد البناء تحدي مشاريع المستقبل؟

استطلاع أملاك عن مواد البناء 2

نشر في

في ظل التحولات الشاملة التي يشهدها قطاع البناء والتشييد، يستعرض هذا الاستطلاع آراءً هندسية حول مستقبل وكفاء مواد البناء المحلية، وجدوى التقنيات الحديثة، للتوفيق بين سرعة التصنيع، والجدوى الاقتصادية، والحفاظ على أصالة الهوية المعمارية. 

م. سالي المحزري: التحول إلى قياس «القيمة التي تصنعها التقنية»
أوضحت سالي المحزري، مهندسة تصميم داخلي، أن التحدي يكمن في كيفية تحويل مواد البناء المحلية والخبرات المرتبطة بمختلف البيئات في المملكة العربية السعودية إلى صناعة متكاملة وأنظمة قابلة للتصنيع والتكرار على نطاق واسع، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تعزيز المحتوى المحلي وتطوير سلاسل الإمداد.

تطوير مواد البناء التقليدية
وأشارت المحزري إلى أن دراسة العمران التقليدي وصورته البصرية تؤكد وجود أساس متين يمكن البناء عليه؛ إذ لم يكن التعامل مع المادة قديماً بمعزل عن المكان، بل ارتبط بالمناخ وطبيعة الاستخدام، وهو ما شكّل الهوية البصرية الخاصة بكل منطقة. وأضافت أن الاستعانة بالمواد المحلية لا تعني إعادة تقديم الشكل التقليدي كما هو، وإنما فهم منطقه وتطويره عبر أدوات وتصنيع معاصر، ليشمل ذلك مواد البناء والواجهات والتشطيبات وقطع الأثاث، وصولاً إلى منتج محلي متكامل ينطلق من التصميم ويمتد حتى التصنيع والتنفيذ.

الحلول هي معيار المفاضلة
وأكدت المحزري أن ارتفاع التكلفة الأولية لتقنيات البناء الحديثة قد يشكل عائقاً عند النظر إليه بشكل مجرد، إلا أن تقييم الجدوى من واقع التطوير العقاري يتطلب قياس التقنية بقيمتها المضافة على مدار دورة حياة المشروع كاملة. وبيّنت أن معيار المفاضلة ينبغي ألا يقتصر على كلفة التقنية لحظة التطبيق، بل على ما تقدمه من حلول تشمل اختصار زمن التنفيذ، الحد من الهدر والأخطاء، رفع جودة المنتج، وتقليل تكاليف التشغيل والصيانة على المدى الطويل.
ولفتت إلى أن التكلفة المرتفعة للتقنية في مراحلها الأولى تنخفض تدريجياً وتتحسن جدواها الاقتصادية عندما تتحول من معالجة خاصة بمشروع فردي إلى نظام معياري قابل للتصنيع والتكرار، مشيرة إلى أن هذا المفهوم ينطبق أيضاً على التصاميم الداخلية والأثاث عبر تطوير وحدات قياسية قابلة للتكرار والتعديل بدلاً من التصنيع الفردي لكل قطعة. وشددت المحزري على أهمية إحداث تحول مفصلي في القطاع العقاري، عبر الانتقال من منهجية قياس «تكلفة التقنية» إلى قياس «القيمة التي تصنعها».

التحول إلى «منظومة صناعة المبنى»
وفيما يتعلق بآفاق المستقبل، توقعت المحزري أن يشهد قطاع المقاولات السعودي تحولاً تدريجياً بحلول عام 2030 من مفهوم «موقع البناء» التقليدي إلى «منظومة صناعة المبنى»، بحيث يرى جزء أكبر من المنشآت النور عبر التصميم الرقمي والتصنيع خارج الموقع، تمهيداً لتركيبه بكفاءة عالية داخل الميدان. وأوضحت أن هذا التحول لن يقتصر على الهياكل الإنشائية فقط، بل سيمتد ليشمل الواجهات، المطبخ والحمامات، وحدات التخزين، وصولاً إلى قطع الأثاث المعيارية المخصصة للمشاريع السكنية وقطاع الضيافة.

ورأت أن هذا التوجه يمثل فرصة استثنائية للقطاع في المملكة؛ نظراً لأن الحجم الضخم للمشاريع الحالية يتيح تأسيس منظومة محلية متكاملة تربط بين التصميم والتطوير والمصانع وسلاسل الإمداد والتنفيذ، بدلاً من التعامل معها كمراحل منفصلة.
في المقابل، طرحت المحزري تساؤلاً جوهرياً يتزامن مع هذا التوسع الصناعي: «كيف نصنّع على نطاق واسع دون أن نقع في فخ إنتاج أماكن متشابهة؟»، مؤكدة أن التحدي الحقيقي حتى عام 2030 لا يكمن فقط في السرعة والكفاءة الإنشائية، بل في الحفاظ على خصوصية المكان والهوية المحلية في ظل هذا التسارع.
وأكدت مهندسة التصميم الداخلي في تصريحها لـ «صحيفة أملاك» العقارية بالتأكيد على أن النجاح الفعلي يكمن في ابتكار نمط بناء سعودي معاصر يستثمر تقنيات التصنيع الحديثة ويحقق الجدوى الاقتصادية للمطورين، وفي الوقت ذاته يُنتج عمراناً متميزاً ينبض بالبيئة المحلية ولا يمكن نسخته أو نقله لأي مكان آخر.
وعن التقنية المرشحة لإحداث النقلة النوعية في قطاع البناء خلال السنوات المقبلة، أوضحت المحزري أنه لا توجد تقنية واحدة بمعزل عن غيرها قادرة على تغيير القطاع، بل يكمن التغيير الحقيقي في التكامل الذكي بين الذكاء الاصطناعي، التصميم الرقمي، نمذجة معلومات البناء (BIM)، والتصنيع المسبق والبناء المعياري.

ورسمت المحزري ملامح هذا المستقبل بإنشاء «مكتبة ذكية» متطورة تراكمياً من الأنظمة والوحدات الجاهزة—بدءاً من الواجهات والغرف وصولاً إلى التفاصيل الداخلية وقطع الأثاث—بحيث ترتبط كل وحدة ببياناتها الدقيقة من خامات، تكلفة، موردين، وزمن التركيب والأداء، ليأتي دور الذكاء الاصطناعي لاحقاً في إعادة تشكيل وتطويع هذه الوحدات وفقاً لمتطلبات الموقع ورغبات المستخدم والهوية العمرانية. وشددت مهندسة التصميم الداخلي على أهمية التفريق الجوهري بين «توحيد المنتج» و«توحيد النظام»، حاصرة الهدف في توحيد المعايير والمقاسات وآليات التصنيع والوصلات الجودة خلف الكواليس، مع ترك مساحة مرنة للتصميم تمنح التنوع وتمنع تكرار المباني بجمود.
واختتمت المحزري تصريحها بالقول: «مستقبل البناء في المملكة العربية السعودية غير مرتبط بالتقنية وحدها، بل بقدرتنا على استخدامها لصناعة مكان يتسم بالهوية والقيمة الفعلية؛ يجمع بين كفاءة التصنيع، الجدوى الاستثمارية للتطوير، وخصوصية المكان المعمارية».

م. عبدالمهيمن شفية: تعزيز وتطور الطاقة الإنتاجية المحلية
أكد المهندس عبدالمهيمن شفية، من شركة تقنية العزل الحديثة، أن المملكة تمتلك قاعدة صناعية متنامية في قطاع مواد البناء، مشيرًا إلى أن الشركات المحلية تمكنت من رفع قدراتها الإنتاجية وتنويع منتجاتها بما يتناسب مع احتياجات المشاريع الكبرى. ومع ذلك، فإن حجم المشاريع وتسارع وتيرتها قد يفرضان الحاجة إلى تعزيز الطاقة الإنتاجية، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، والاستمرار في تطوير المنتجات المحلية لتقليل الاعتماد على الاستيراد وضمان استقرار التوريد والأسعار.

وأبان عبدالمهيمن أن التكلفة الأولية المرتفعة تمثل تحديًا أمام تبني بعض تقنيات البناء الحديثة، إلا أن تقييمها يجب ألا يقتصر على سعر التنفيذ المباشر، فالتقنيات الحديثة قد تسهم في تقليل مدة الإنشاء، وخفض الهدر، وتحسين جودة التنفيذ، وتقليل تكاليف التشغيل والصيانة على المدى الطويل، ومع توسع استخدامها ونضج السوق، من المتوقع أن تنخفض تكلفتها تدريجيًا، ما يدعم انتشارها بصورة أكبر.
وتوقع عبدالمهيمن أن يكون قطاع المقاولات أكثر تنظيمًا وتخصصًا واعتمادًا على التكنولوجيا، مع ارتفاع مستوى الأتمتة والرقمنة واستخدام نماذج معلومات البناء، إضافة إلى توسع الشركات القادرة على تنفيذ المشاريع وفق معايير الجودة والاستدامة والكفاءة، كما ستزداد أهمية الشركات المتخصصة في الحلول التقنية والإنشائية المتقدمة، إلى جانب نمو الشراكات بين القطاعين العام والخاص.

وعن التقنيات التي ستغير قطاع البناء خلال السنوات المقبلة، قال عبدالمهيمن: «أعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيكون من أكثر التقنيات تأثيرًا، خصوصًا عند دمجه مع نمذجة معلومات البناء (BIM) وتحليل البيانات. وسيتيح ذلك تحسين التصميم والتخطيط، والتنبؤ بالمخاطر والتكاليف، ومراقبة تقدم المشاريع، ورفع كفاءة الموارد، بما يحول إدارة مشاريع البناء من أسلوب يعتمد على الاستجابة للمشكلات إلى أسلوب أكثر قدرة على التنبؤ والوقاية منها».