المخاطر القانونية للصياغة داخل الشركات العقارية

حين تسقط «المسؤولية المحدودة» بسطرٍ ناقص فقد يُفتح باب مساءلة المدير شخصيًا عن التزاماتٍ نشأت على ذمة الشركة
قانون الإثبات -المعاملات العقارية- نظام الشركات

Posted in

في القطاع العقاري، تكاد «الشركة ذات المسؤولية المحدودة» أن تكون الإطار الأكثر شيوعًا لمزاولة النشاط؛ فهي تمنح الشركاء ومديري الشركة مظلة فصلٍ بين ذمتهم المالية الخاصة وذمة الشركة، غير أن هذه المظلة ليست مطلقة، وليست شعارًا يُكتب على لوحةٍ خارجية، بل هي نظام قانوني مشروط بالامتثال الدقيق.
وهنا تبدأ الإشكالية

ففي بعض المنازعات، لم يكن سبب انتقال المسؤولية من الشركة إلى مديرها احتيالًا ولا سوء نية، وإنما سطرٌ ناقص في صدر عقد. نعم… سطرٌ ناقص.

بين الشكل والجوهر
القانون التجاري لا يتعامل مع «البيانات النظامية» بوصفها ترفًا شكليًا، بل يعتبرها ضمانةً للمتعاقد. فحين يُبرم عقد باسم شركة، فإن الطرف الآخر يبني قراره التعاقدي على عناصر جوهرية، من أهمها:
طبيعة الكيان القانوني.
حدود مسؤوليته المالية.
رأس المال الذي يُفترض أنه يشكل الحد الأدنى للضمان.

فإذا خلا العقد من البيان الصريح لنوع الشركة، أو اختُصر الاسم النظامي اختصارًا مخلًا، أو أُهمل ما يوجب النظام ذكره، فإن المتعاقد لم يُمكَّن من معرفة حقيقة المركز القانوني لمن يتعامل معه. وهنا يتحول ما يبدو «خطأً شكليًا» إلى خللٍ يمس التوازن التعاقدي ذاته.

خصوصية البيئة العقارية
القطاع العقاري ليس كغيره من القطاعات؛ فهو يقوم على:
التزامات طويلة الأمد.
رؤوس أموال كبيرة.
عقود تطوير وتمويل وتسويق متشابكة.
مخاطر تنفيذية ممتدة عبر الزمن.
وفي مثل هذه البيئة، فإن أي خلل في الصياغة قد يُستثمر قضائيًا لإعادة توزيع المسؤولية.
فإذا ثبت أن العقد لم يُظهر صفة الشركة على نحوٍ مطابق للمتطلبات النظامية، فقد يُفتح باب مساءلة المدير شخصيًا عن التزاماتٍ نشأت في الأصل على ذمة الشركة.
وهنا تسقط «المسؤولية المحدودة» لا بفعل الاحتيال… بل بفعل الإهمال.

تغير الأنظمة لا يمحو الماضي
قد يُقال إن الأنظمة تتغير، وأن النصوص تُلغى وتُستبدل.
غير أن القاعدة المستقرة تقرر أن العبرة بالنظام الساري وقت نشوء العلاقة التعاقدية.
فالمسؤولية التي وُلدت في ظل نظامٍ سابق لا تزول بمجرد صدور نظامٍ لاحق، ما لم ينص الأخير صراحةً على خلاف ذلك.
والأهم من ذلك أن فلسفة النظام — قديمه وحديثه — لا تزال تقرر مسؤولية الإدارة عند مخالفة أحكامه أو التقصير في أداء واجباتها.

من زاوية الحوكمة
في أدبيات الحوكمة، تُصنَّف هذه الحالة ضمن «المخاطر التنظيمية الصامتة»؛ مخاطر لا تنشأ من قرار استثماري خاطئ، ولا من تعثر مالي، بل من خلل في الامتثال الشكلي. وهي الأخطر؛ لأنها غالبًا لا تُكتشف إلا عند نشوء النزاع.

المدير الذي يوقّع عقدًا باسم الشركة دون مراجعة دقيقة لبياناتها النظامية، قد يجد نفسه — بعد سنوات — طرفًا في دعوى شخصية، يواجه فيها مطالبة بمبالغ ضخمة لم يكن يتصور أنه سيتحملها من ماله الخاص.

مسؤولية تبدأ من صدر العقد ليس المطلوب تعقيد الإجراءات، ولا إثقال كاهل الإدارات التنفيذية، وإنما إدراك أن:
الاسم النظامي الكامل للشركة ليس تفصيلًا.
الصفة القانونية ليست عبارةً تجميلية.
الامتثال الشكلي جزءٌ من إدارة المخاطر.
وفي الشركات العقارية على وجه الخصوص، حيث تتعدد الأطراف وتتداخل الالتزامات، ينبغي أن تُدار العقود بذهنية حوكميّة لا بذهنية إنجاز الصفقة فحسب.

ومضة
المسؤولية المحدودة ليست عبارةً تُكتب.. بل نظامٌ يُحترم.
ومن أهمل البيان، تحمَّل الضمان.
وفي عالم العقار — حيث الأرقام كبيرة، والالتزامات ممتدة، والمخاطر مركبة — قد يكون الفرق بين الحماية والمسؤولية… سطرًا في صدر عقد.

@Dr_alkharji