مع إعلان السياسة الوطنية للغة العربية، وما تبعها من إلزام باستخدام العربية في العقود والمؤتمرات، حضر إلى الذهن تفصيل نعايشه يومياً، لكنه غالباً يمرّ دون توقف: مسميات المشاريع العقارية. نمرّ في مدننا فنرى مشاريع تحمل أسماء لا تشبه المكان، ولا تحكي عنه، ولا تمتّ لثقافته بصلة، أسماء أجنبية تُرفع على واجهات مبانٍ في أحياء عربية، تُختار أحياناً بدافع التسويق، وأحياناً بدافع الاعتقاد أن الاسم الأجنبي أكثر جاذبية أو أكثر “حداثة”.
لكن السؤال البسيط: هل الاسم فعلاً تفصيل تسويقي عابر؟
اسم المشروع ليس مجرد لوحة أو علامة، هو أول رسالة يقدّمها المطوّر، وأول انطباع يتكوّن لدى المشتري، الاسم يسبق التصميم، ويسبق التجربة، ويبقى في الذاكرة أطول من أي حملة دعائية. وحين يكون الاسم بعيداً عن لغة المكان، يفقد المشروع جزءاً من قربه منذ اللحظة الأولى.
السياسة الوطنية للغة العربية لا تتعامل مع اللغة بوصفها شأنًا ثقافيًا فقط، بل بوصفها إطاراً تنظيمياً وهوية مؤسسية، وعندما تُلزم الجهات باستخدام العربية في العقود والمؤتمرات، فهي تعيد التأكيد على أن اللغة ليست خياراً شكلياً، بل أساساً من أسس التعامل الرسمي، ومن الطبيعي أن يمتد هذا الفهم إلى القطاع العقاري. المشروع العقاري ليس إعلاناً مؤقتاً، بل مكانًا سيعيش فيه الناس سنوات طويلة، سيقول أحدهم: “أسكن في هذا المشروع”، أو “اشتريت في هذا المكان”. وحين يكون الاسم عربياً واضحاً وله معنى، يصبح أقرب للناس، وأسهل في التداول، وأكثر حضوراً في الذاكرة.
القول إن استخدام أسماء عربية يتعارض مع الانفتاح أو العالمية غير دقيق، التجارب العالمية تُظهر أن الهوية المحلية القوية هي ما يصنع التميّز الحقيقي. المدن التي تعتز بلغتها وتاريخها لا تفقد جاذبيتها الاستثمارية، بل تعزّزها، لأنها تقدّم منتجًا مختلفًا لا نسخة مكرّرة. المفارقة أن كثيراً من الأسماء الأجنبية المتداولة اليوم لا تحمل معنى واضحاً حتى بلغتها الأصلية، ومع ذلك تُعتمد دون نقاش. في المقابل، تمتلك اللغة العربية ثراءً وقدرة كبيرة على تقديم أسماء معاصرة، جميلة، وقابلة للتسويق، إذا أُحسن اختيارها وربطها بالمكان وفكرته. ربط مسميات المشاريع العقارية بهوية اللغة يحقق فوائد عملية واضحة: وضوحاً أكبر في العقود والوثائق، انسجاماً بين الاسم التجاري والهوية القانونية، وقرباً حقيقياً من المجتمع الذي سيعيش داخل هذه المشاريع.
في النهاية، الاسم ليس تفصيلاً بسيطاً كما نعتقد، هو انعكاس لطريقة التفكير، ولمدى ارتباط المشروع بمحيطه.
وحين يحمل المشروع اسماً يشبه المكان وأهله، فإنه يبدأ رحلته بثقة أكبر، وبانتماء أوضح. السياسة الوطنية للغة العربية فتحت باباً مهماً للتأمل، ليس فقط في العقود والمؤتمرات، بل في تفاصيل كثيرة نمرّ عليها يومياً دون أن نتوقف. وربما آن الأوان أن نسأل بصدق: هل تعكس مسميات مشاريعنا العقارية هويتنا؟








