بين الفرصة والمخاطرة.. كيف تعلمت السعودية من تجربة أزمة الرهن العقاري الأمريكي

المملكة تطور سوقاً ثانوية للتمويل العقاري تستفيد من مزايا التوريق الأمريكي مع تشديد الرقابة لتفادي مخاطر أزمة 2008.

Washington - Global Real Estate - Real Estate Deals

Posted in

عند الحديث عن مستقبل الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري Saudi Real Estate Refinance Company (SRC)  – (و المملوكة من صندوق الاستثمارات السعودي) والسوق الثانوية للتمويل العقاري في المملكة، فإن المقارنة مع التجربة الأمريكية تبدو حاضرة في ذهن العديد من المهتمين بسوق التمويل العقاري المحلي. فالسوق الأمريكية تُعد النموذج الأكثر تطوراً في العالم في مجال إعادة التمويل العقاري (التوريق)، وقد لعبت مؤسستا Fannie Mae وFreddie Mac  لعقود دوراً محورياً في دعم سوق الإسكان الأمريكي وتوفير السيولة اللازمة لنموه.
وقد نجحت المؤسستان في بناء واحدة من أضخم منظومات التمويل العقاري في العالم، حيث ساهمتا في تحويل ملايين القروض العقارية إلى أدوات استثمارية جذبت رؤوس أموال من مختلف أنحاء العالم، الأمر الذي أدى إلى توسيع نطاق التمويل السكني وخفض تكلفته وتعزيز فرص تملك المساكن للأسر الأمريكية.

ولعل المتابع المحلي يعلم أن التجربة الأمريكية لم تكن خالية من التحديات والمخاطر، فقد كشفت الأزمة المالية العالمية عام 2008 عن المخاطر التي يمكن أن تنشأ عندما يتوسع النظام المالي بصورة تفوق قدرته على إدارة المخاطر. ففي سنوات ما قبل الأزمة، شهدت الأسواق الأمريكية توسعاً كبيراً في منح التمويلات العقارية، بما في ذلك تمويلات عالية المخاطر، بالتزامن مع توسع كبير في عمليات التوريق وإعادة بيع تلك القروض للمستثمرين.
وعندما بدأت معدلات التعثر في الارتفاع وتراجعت أسعار العقارات، انتقلت آثار الأزمة من سوق الإسكان إلى المؤسسات المالية وأسواق رأس المال حول العالم، لتتحول إلى واحدة من أكبر الأزمات الاقتصادية في التاريخ الحديث. وأظهرت تلك التجربة أن نجاح السوق الثانوية للتمويل العقاري لا يعتمد فقط على حجم السيولة المتدفقة إليها، بل على جودة الأصول الممولة ومستوى الرقابة والحوكمة وإدارة المخاطر.

ومن هنا جاءت أهمية المسار الذي تتبعه السعودية في تطوير سوق التمويل العقاري. فالسعودية لا تسعى إلى استنساخ التجربة الأمريكية بحذافيرها، بل تعمل على الاستفادة من عناصر نجاحها وتجنب الأخطاء التي أدت إلى الأزمة المالية العالمية. وقد ساعدت البيئة التنظيمية والرقابية الصارمة التي تتمتع بها المملكة على بناء سوق أكثر تحفظاً من حيث معايير التمويل والملاءة الائتمانية وإدارة المخاطر.
كما أن نمو السوق العقارية السعودية جاء متزامناً مع تطور الأطر التنظيمية للقطاع المالي والعقاري، وارتفاع مستويات الإفصاح والشفافية، وتطوير الأنظمة المرتبطة بالتمويل والرهن والتسجيل العقاري، وهي عوامل أساسية لضمان استدامة النمو وتقليل احتمالات تشكل فقاعات سعرية أو اختلالات مالية واسعة النطاق.

فرص التمويل العقاري
ومن ناحية أخرى، فإن الفرص التي تفتحها السوق الثانوية للتمويل العقاري أمام الاقتصاد السعودي تبدو كبيرة ومتعددة الأبعاد. فمع استمرار التوسع العمراني الكبير وطرح العديد من المشاريع العملاقة والتى تزامن معها ارتفاع الطلب على الإسكان، ازدادت الحاجة إلى مصادر تمويل طويلة الأجل قادرة على دعم هذا النمو الكبير والمتسارع دون تحميل البنوك وشركات التمويل وحدها عبء التمويل، كما أن تطوير أدوات التوريق والصكوك المدعومة بالرهون العقارية قد يسهم في تعميق أسواق رأس المال وخلق فئة أصول جديدة تستقطب المستثمرين المحليين والدوليين.
ولا تقتصر آثار هذا التحول على القطاع المالي فقط، بل تمتد إلى مختلف مكونات القطاع العقاري، فزيادة تدفق السيولة وتعزيز كفاءة التمويل يمكن أن ينعكسا على نشاط التطوير العقاري، ورفع مستويات الاستثمار، وتحفيز الابتكار في المنتجات التمويلية، وتعزيز قدرة السوق على تلبية احتياجات الأجيال القادمة من المساكن.
كما أن هذا التطور يحمل أهمية خاصة للمستثمرين المؤسسين وصناديق الاستثمار العقاري ومديري الأصول وصناديق التقاعد، الذين سيجدون أمامهم فرصاً جديدة للاستثمار في أدوات مرتبطة بالقطاع العقاري دون الحاجة إلى التملك المباشر للعقارات. وهذا من شأنه أن يوسع قاعدة المستثمرين ويزيد من عمق السوق ويعزز كفاءتها على المدى الطويل.
وفي ضوء هذه المتغيرات الكبيرة والمتسارعة، تبدو الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري أكثر من مجرد مؤسسة متخصصة في إعادة التمويل. فهي تمثل أحد الأعمدة الرئيسية في بناء البنية التحتية المالية اللازمة لمرحلة جديدة من تطور القطاع العقاري السعودي، مرحلة تتداخل فيها العقارات مع أسواق رأس المال، وتتقاطع فيها احتياجات الإسكان مع تطلعات المستثمرين، وتتلاقى فيها أهداف التنمية الاقتصادية مع أدوات التمويل الحديثة.

السوق العقاري والتمويل والاستثمار
إن التحول الذي تشهده المملكة اليوم لا يتمثل فقط في بناء المزيد من المساكن وتنفيذ العديد من المشاريع العملاق، أو زيادة حجم التمويل العقاري، بل في إعادة صياغة العلاقة بين السوق العقاري و سوق التمويل والاستثمار، ومع استمرار هذا المسار، فقد نشهد خلال السنوات المقبلة نشوء سوق عقارية أكثر عمقاً وارتباطاً بالاقتصاد العالمي، قادرة على استقطاب رؤوس الأموال وتحويل الأصول العقارية إلى محرك فاعل للنمو الاقتصادي المستدام.
ومن وجهة نظري الشخصية أرى أن نجاح التجربة السعودية في بناء سوق ثانوية للتموين العقاري لن يقاس بمدى تشابهها مع النماذج العالمية، بل بقدرتها على بناء نموذج وطني متوازن يجمع بين كفاءة الأسواق واستقرار النظام المالي المحلى، ويوظف أدوات التمويل الحديثة لخدمة أهداف التنمية والإسكان والازدهار الاقتصادي على المدى الطويل.
  @BeshriM