سرقة هاتف، أو اعتداء في شارع مزدحم، أو جريمة قتل قرب وجهة شهيرة؛ حوادث لم تعد غريبة على بعض أشهر مدن العالم.
ومع ذلك، نعود إليها ! فما الذي يجعلنا نختار مدينة نعرف مخاطرها، بينما توجد مدن أكثر أماناً؟ ربما لأننا لا نحسب الأمان كما نحسب بقية عناصر المكان.
عندما نقارن بين المدن، ننظر إلى الموقع والخدمات والمطاعم والتسوق والطقس وجودة الحياة، وتؤثر فينا شهرة المدينة وتاريخها وصورتها وتجارب الآخرين، أما الأمان، فغالباً نفترض وجوده، كأن الطمأنينة ليست قيمة، بل أمر لا نلتفت إليه إلا حين يغيب.
نحن نعرف أثر الموقع في قيمة العقار، ونعرف قيمة الإطلالة والخدمات والقرب من الوجهات. لكننا لا نعرف كم يساوي أن تمشي ليلًا دون خوف، أو تتحرك مع أسرتك دون أن تنشغل بمن حولك.
ربما لأن بعض القيم لا ندرك أهميتها إلا عندما نفقدها. فالأمان حين يتوافر يصبح أمراً معتاداً، وحين يتراجع نكتشف مقدار ما كان يمنحنا من حرية في الحركة والاختيار والاستمتاع بالمكان.
وتعطينا الأرقام فكرة عن هذه القيمة، ففي المملكة، تشير الهيئة العامة للإحصاء إلى أن 97.7% من السكان يشعرون بالأمان عند السير بمفردهم ليلاً في مناطق سكنهم. وفي لندن، تبلغ النسبة 68%، وتنخفض إلى 58% لدى النساء.
ورغم اختلاف المؤشرين، يبقى السؤال: لماذا لا يدخل الأمان في تقييمنا للمكان بالوزن الذي يستحقه؟ في اقتصاد المكان، الأمان ليس ميزة إضافية، بل بنية تحتية خفية. فهو يتيح للناس استخدام المدينة بِحُرية، والمشي في شوارعها، والبقاء فيها وقتاً أطول. وعندما يتراجع، تظهر تكلفته الخفية: الحذر. والحذر يغير علاقتنا بالمكان؛ نختصر الطريق، ونغادر مبكراً، ونتجنب شارعاً، ونراقب ما حولنا. عندها قد تكون المدينة مفتوحة على الخريطة، لكنها ليست متاحة بالكامل في التجربة.
وهنا نملك في المملكة قيمة ربما جعلنا الاعتياد عليها لا ندرك حجمها.
يمكن بناء برج أعلى، واستقطاب فندق أفخم، وجذب علامات عالمية. أما الطمأنينة، فمن أصعب أصول المدن بناءً.
وكلما ارتفع الأمان، اتسعت قدرتنا على استخدام المكان والعيش فيه والاستمتاع به، وارتفعت معه جاذبيته للسكان والزوار والاستثمار. لذلك، ربما لا يكون السؤال: كم تنفق المدينة على الأمن؟
بل: كم تخسر عندما لا يشعر الناس بالأمان؟
فالأمان لا يظهر في سعر العقار أو فاتورة الرحلة، لكنه قد يكون أحد أهم ما يصنع قيمتهما.
وهذا هو ثمن الطمأنينة في اقتصاد المكان.
[email protected]








