من يملك المدن في المستقبل؟

تحول جذري في مفهوم الملكية العقارية مع صعود البيانات والمدن الذكية كمحرك رئيسي للقيمة في السعودية المستقبلية
المدن الذكية

نشر في

اعتدنا لعقود طويلة على اعتبار الأرض أساس الثروة العقارية، وأن قيمة المستثمر تقاس بعدد الأمتار التي يملكها، لكن التحولات الاقتصادية والتقنية المتسارعة تفرض اليوم سؤالاً مختلفاً: هل ما زالت الأرض وحدها هي مصدر القوة في القطاع العقاري، أم أن البيانات أصبحت الأصل الأكثر قيمة؟

في المملكة العربية السعودية بلغ عدد المساكن التي تشغلها الأسر السعودية نحو 4.4 مليون مسكن في عام 2024، بزيادة تجاوزت 233 ألف وحدة سكنية مقارنة بالتعداد السابق، هذه المساكن والأحياء والمراكز التجارية لا تمثل أصولاً عقارية فحسب، بل أصبحت مصدراً يومياً لملايين البيانات المتعلقة بالسكان والحركة والاستهلاك والخدمات وأنماط الحياة.
وفي الوقت الذي يواصل فيه القطاع العقاري نموه، يشهد قطاع المدن الذكية توسعاً متسارعاً، حيث تشير التقديرات إلى أن حجم سوق المدن الذكية في المملكة سيرتفع من نحو 5.1 مليار دولار في عام 2025 إلى أكثر من 10.9 مليار دولار بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي يتجاوز 16%.

هذه الأرقام تكشف عن تحول جوهري في مفهوم القيمة العقارية، فالمطور الذي يمتلك القدرة على تحليل البيانات وفهم احتياجات السكان واتجاهات النمو المستقبلي قد يحقق عوائد أكبر من مطور يملك مساحات واسعة من الأراضي دون قراءة دقيقة للسوق.
ولم يعد هذا التحول مجرد توقعات مستقبلية، فمراكز البيانات أصبحت اليوم من أهم البنى التحتية الاقتصادية عالمياً. وفي المملكة تجاوزت الاستثمارات الموجهة لمشاريع الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات عشرات المليارات من الريالات، في إطار مستهدفات رؤية السعودية 2030 الرامية إلى بناء اقتصاد رقمي تنافسي ومتنوع.
السؤال الذي يواجه القطاع العقاري اليوم ليس أين نبني فقط، بل ماذا نعرف عن المكان الذي نبني فيه؟ فالمعلومة الدقيقة أصبحت قادرة على تقليل المخاطر الاستثمارية، ورفع كفاءة التطوير، وتوجيه رأس المال نحو الفرص الأكثر جدوى.

لقد كان المستثمر العقاري في الماضي يبحث عن أفضل موقع، أما المستثمر في المستقبل فسيبحث عن أفضل البيانات، ولهذا فإن المنافسة القادمة لن تكون بين شركات التطوير العقاري فقط، بل بين المطورين وشركات التقنية والذكاء الاصطناعي القادرة على قراءة المدن والتنبؤ باحتياجاتها. العقار سيبقى أحد أهم الأصول الاقتصادية، لكن القيمة المضافة ستنتقل تدريجياً من امتلاك الأرض إلى امتلاك المعرفة المرتبطة بها. ومن يملك البيانات التي تفسر حركة المدينة وتوجهاتها المستقبلية، قد يكون الأكثر تأثيراً في رسم ملامحها، حتى وإن لم يكن أكبر ملاك الأراضي فيها.
إعلامي اقتصادي