الوساطة العقارية بين الإنجاز واكتمال البناء

دراسة تنظيم الوساطة العقارية السعودية بين إنجازات الترخيص واتساع التطبيق، وتحديات اكتمال المنظومة وتعزيز ثقة السوق.
صورة تعبيرية - - وسيط عقاري - إدارة اعمال

نشر في

قراءة في منهجية تنظيم السوق العقارية بين سرعة التحول ومتطلبات الاستدامة

ليس من الإنصاف اختزال تجربة الهيئة العامة للعقار في نقد بعض قراراتها، كما أنه ليس من الموضوعية الاكتفاء بالإشادة بما تحقق دون مناقشة منهجية التطبيق. فالتجارب التنظيمية الكبرى لا تُقاس بحجم التغيير الذي تحدثه فقط، بل بقدرتها على بناء منظومة متكاملة تتدرج فيها التشريعات والإجراءات بصورة تجعل كل مرحلة تمهّد لما بعدها.
ومن هنا يبرز سؤال مهني مشروع:  هل استطاعت منظومة الوساطة العقارية أن تجمع بين سرعة التحول واكتمال البناء التنظيمي بما يضمن استدامة الأثر وتعزيز ثقة السوق؟

لا شك أن نظام الوساطة العقارية الصادر بالمرسوم الملكي رقم ( م/130) يمثل نقطة تحول مهمة في تاريخ القطاع العقاري السعودي. فقد انتقل السوق من إطار تنظيمي محدود ظل قائماً لعقود طويلة إلى منظومة حديثة تقوم على الترخيص والحوكمة والرقابة، وتشمل أنشطة متعددة مثل الوساطة والتسويق وإدارة الأملاك وإدارة المرافق والمزادات والاستشارات العقارية تحت مظلة تنظيمية موحدة تتمثل في «رخصة فال».
وهذا التحول يُعد إنجازاً تنظيمياً كبيراً، خصوصاً عند النظر إلى حجم السوق العقارية السعودية وتنوع أطرافها وتشعب أنشطتها.
وتعكس المؤشرات حجم هذا الإنجاز؛ إذ تجاوز عدد رخص الوساطة العقارية الصادرة 117 ألف رخصة، وأُبرم أكثر من 1.11 مليون عقد وساطة، فيما تجاوز عدد الصفقات البيعية والإيجارية 13 مليون صفقة بقيمة إجمالية تقارب 1.6 تريليون ريال خلال السنوات الأولى من تطبيق النظام. وهي أرقام تؤكد قدرة الهيئة العامة للعقار على الانتقال من مرحلة بناء الإطار النظامي إلى مرحلة التطبيق الفعلي على نطاق واسع.
لكن نجاح أي تحول تنظيمي لا يعني انتهاء رحلة التطوير، بل قد يكون بداية لمرحلة أكثر أهمية، وهي مرحلة اكتمال البناء.

من إصدار القواعد إلى تكامل المنظومة:
عندما تُنظم مهنة مرتبطة مباشرة بحقوق الأفراد وحجم كبير من التعاملات المالية، فإن نجاح التنظيم لا يعتمد فقط على وجود الترخيص، بل على تكامل جميع العناصر المرتبطة به؛ من التأهيل والتوعية، إلى وضوح المتطلبات وسهولة الامتثال لها، وصولاً إلى استقرار الممارسة المهنية في السوق . فالترخيص يمثل البوابة النظامية لممارسة النشاط، لكنه يكون أكثر تأثيراً عندما يأتي ضمن منظومة متكاملة يعرف فيها الممارس حقوقه والتزاماته منذ البداية، ويعرف المستفيد ما الذي يضمن له جودة الخدمة ومستوى المهنية. وهنا تظهر أهمية التسلسل التنظيمي؛ فكلما كانت المتطلبات واضحة ومتكاملة منذ مراحل مبكرة، انخفضت مساحة الاجتهاد والالتباس، وأصبح انتقال السوق إلى المرحلة الجديدة أكثر سلاسة واستقراراً .

حين تتغير الممارسة قبل اكتمال الصورة:
ظهر هذا التحدي في بعض النقاشات التي صاحبت تطبيق النظام، ومنها ما يتعلق بتداخل بعض الأنشطة الرقمية والتسويقية مع مفهوم الوساطة العقارية، كما ظهر في الحاجة المستمرة إلى إصدار توضيحات وتحديثات تنظيمية لمواكبة تطور السوق.
ولا يعني ذلك وجود خلل في أصل القرارات؛ فتنظيم النشاط العقاري يقع ضمن اختصاص الهيئة العامة للعقار، وهو أمر ضروري لحماية السوق ورفع مستوى المهنية. لكن التجارب التنظيمية الناجحة تثبت أن وضوح الرسالة التنظيمية وتوقيتها لا يقل أهمية عن القرار نفسه.
فالسوق لا تحتاج فقط إلى قواعد صحيحة، بل تحتاج أيضاً إلى قواعد تصل في الوقت المناسب وبالصورة التي تمنع الالتباس قبل حدوثه.

أثر المنهجية على ثقة السوق:

الثقة هي المعيار الحقيقي لنجاح أي تنظيم. فالممارس يحتاج إلى معرفة واضحة بمساره المهني ومتطلباته، والمستفيد يحتاج إلى الاطمئنان إلى أن الترخيص الذي يحمله مقدم الخدمة يعكس مستوى مناسباً من الكفاءة والالتزام. وكلما اكتملت حلقات التنظيم بصورة متوازنة بين التشريع والتأهيل والتوعية والتطبيق، أصبحت السوق أكثر قدرة على الاستقرار، وتحول التنظيم من مجرد متطلبات إجرائية إلى قيمة مضافة يشعر بها جميع الأطراف.

الإنجاز بداية الطريق:
من الإنصاف التأكيد أن الهيئة العامة للعقار حققت تحولاً تنظيمياً مهماً في قطاع كان بحاجة إلى إعادة بناء شاملة، وأن سرعة الانتقال من مرحلة محدودة التنظيم إلى منظومة حديثة لم تكن مهمة سهلة.
لكن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على تعميق هذا الإنجاز، عبر تعزيز التكامل بين جميع مكونات المنظومة، بحيث تأتي التشريعات والإجراءات والتوعية والتأهيل ضمن مسار واحد واضح ومتسلسل.

فالنجاح التنظيمي لا يقاس فقط بعدد التراخيص أو حجم التعاملات، بل بمدى قدرة المنظومة على الاستمرار وتحقيق الثقة والاستقرار على المدى الطويل.
والوساطة العقارية السعودية قطعت شوطاً كبيراً في بناء الإطار التنظيمي، ويبقى التحدي الأهم هو اكتمال البناء؛ لأن التنظيم حين تتكامل حلقاته لا يصبح مجرد نظام يُطبق، بل يصبح ثقافة مهنية راسخة تقود السوق نحو مزيد من النضج والاستدامة.
@AlsalemS7
عضو اللجنة العقارية – الريــاض