عندما يتعثر مشروع عقاري، أو يتأخر عن موعد تسليمه، أو تتجاوز تكلفته الميزانية المعتمدة، تتجه الأنظار غالبًا إلى مدير المشروع باعتباره المسؤول الأول عما حدث، ويبدأ تبادل الاتهامات بين المطور والمقاول والاستشاري، بينما يجد مدير المشروع نفسه في قلب النزاع، رغم أن كثيرًا من القرارات التي أدت إلى التعثر قد لا تكون صادرة عنه أصلًا.
وهنا يبرز سؤال قانوني يستحق التأمل: هل يتحمل مدير المشروع مسؤولية كل ما يقع داخل المشروع، أم أن مسؤوليته تقف عند حدود الصلاحيات التي منحها له العقد؟
هذا السؤال لا تقتصر أهميته على النزاعات القضائية، بل يبدأ أثره منذ مرحلة إعداد العقود، لأن كثيرًا من المشكلات التي تظهر أثناء التنفيذ تكون نتيجة غموض توزيع الأدوار بين أطراف المشروع، أكثر من كونها نتيجة مخالفة نظامية أو خطأ فني.
فالواقع العملي يبين أن مدير المشروع أصبح يمثل حلقة الوصل بين المالك والمطور والمقاول والاستشاري والمورد، ويتولى متابعة الجداول الزمنية، والتنسيق بين الفرق المختلفة، ومراقبة جودة التنفيذ، وإدارة المخاطر، ورفع التقارير، ومتابعة الالتزام بالعقود. ومع اتساع هذا الدور، نشأ لدى بعض الأطراف اعتقاد بأن مدير المشروع مسؤول عن كل ما يحدث داخل المشروع، وهو تصور لا يستند دائمًا إلى أساس قانوني.
فالمسؤولية القانونية لا تُبنى على كثرة الاجتماعات التي يحضرها الشخص، ولا على كونه الأكثر ظهورًا في المشروع، وإنما تُبنى على الالتزام الذي قبله، والصلاحية التي منحها له العقد، والقرار الذي يملك اتخاذه، والخطأ الذي ثبت صدوره منه، وعلاقة هذا الخطأ بالضرر الذي وقع.
ومن أكثر أسباب النزاعات العقارية شيوعًا الخلط بين الإشراف الفني والإدارة التعاقدية واتخاذ القرار، فقد يملك مدير المشروع سلطة المتابعة والتنسيق دون أن يملك سلطة اعتماد التعديلات أو إصدار أوامر التغيير أو قبول الأعمال أو رفضها، وقد يكون دوره استشاريًا بحتًا، بينما تظل سلطة القرار النهائي بيد المالك أو المطور. وفي المقابل، قد تمنحه بعض العقود صلاحيات واسعة تجعله مسؤولًا عن قرارات تؤثر مباشرة في حقوق الأطراف والتزاماتهم.
ولهذا فإن المسمى الوظيفي لا يكفي وحده لتحديد المسؤولية، لأن القضاء لا يحاكم المسميات، وإنما ينظر إلى مضمون العقد، وحدود الالتزامات، وطبيعة الصلاحيات التي مُنحت بالفعل، وكيفية ممارستها أثناء تنفيذ المشروع.
كما أن كثيرًا من النزاعات تنشأ بسبب اعتماد نماذج تعاقدية عامة لا تعكس طبيعة المشروع ولا توضح العلاقة بين مدير المشروع وبقية الأطراف. وعند وقوع التعثر، يحاول كل طرف تفسير العقد بما يخدم موقفه، فتتداخل المسؤوليات، ويصعب تحديد الطرف الذي نشأ الضرر بسبب فعله أو امتناعه.
ولهذا أصبحت الصياغة التعاقدية الدقيقة جزءًا من إدارة المخاطر، وليست مجرد وسيلة لتنظيم العلاقة بين المتعاقدين. فكل صلاحية غير محددة، وكل التزام غير واضح، يمثل نزاعًا مؤجلًا أكثر من كونه نصًا تعاقديًا. ولا يقل عن ذلك أهمية توثيق القرارات والمراسلات والاجتماعات، لأن إدارة المشروع لا تقاس بما يقال شفهيًا، وإنما بما يمكن إثباته عند نشوء النزاع. فكثير من المسؤوليات تتحدد من خلال محاضر الاجتماعات، وتعليمات العمل، واعتمادات التغيير، وسلسلة المراسلات التي تكشف من اتخذ القرار، ومن وافق عليه، ومن كان يملك رفضه أو إيقافه.
ومن هنا فإن نجاح المشروع العقاري لا يعتمد على الكفاءة الفنية وحدها، بل يقوم كذلك على وضوح المسؤوليات، وجودة العقود، وحوكمة الصلاحيات، وتوثيق الإجراءات، لأن المشروع الذي يعرف فيه كل طرف حدود دوره، تقل فيه فرص النزاع مهما واجه من تحديات.
ويبقى الأصل أن مدير المشروع ليس مسؤولًا عن كل ما يقع داخل المشروع، كما أنه ليس بمنأى عن المسؤولية لمجرد أنه لم ينفذ الأعمال بنفسه. فالمعيار الحقيقي هو ما التزم به تعاقديًا، وما يملكه من صلاحيات، وما إذا كان قد أخل بواجب قانوني أو تعاقدي ترتب عليه ضرر مباشر.
ولهذا فإن حماية المشاريع العقارية لا تبدأ عند رفع الدعوى، بل تبدأ عند توزيع المسؤوليات بدقة، وكتابة العقود بوضوح، وبناء منظومة حوكمة تمنع تداخل الأدوار قبل أن يتحول الاختلاف في الصلاحيات إلى نزاع أمام القضاء.
@Dr_alkharji







