بالفيديو| عماد الطيار: التأجير الاستراتيجي يصنع قيمة العقار.. والتسعير والهوية مفتاح نجاح المشاريع

الطيار يوضح تحول التأجير من مجرد عقود إلى أداة استراتيجية لرفع قيمة الأصول وبناء الهوية وتحقيق استدامة المشاريع
عماد الطيار

نشر في

خلال مشاركته في بودكاست ضمن مبادرة منارة المعرفة العربية للتجزئة والمراكز التجارية برفقة الأستاذ حمزة خالد بنات والدكتور صالح جميل بوبو، أكد الخبير العقاري عماد الطيار أن مفهوم التأجير العقاري لم يعد يقتصر على إبرام العقود وإغلاق الصفقات، بل أصبح أداة استراتيجية تسهم في تعظيم قيمة الأصول العقارية، وبناء هوية المشاريع، وتحقيق الاستدامة الاستثمارية.

وأوضح الطيار أن مسيرته المهنية الممتدة لنحو 18 عاماً شهدت تحولاً كبيراً في طريقة التفكير، حيث انتقل من التركيز على تنفيذ صفقات التأجير بنفسه إلى بناء منظومات متكاملة لإدارة التأجير، ووضع السياسات والإجراءات والاستراتيجيات التي تقود الإدارات وتحقق أهداف الشركات على المدى الطويل.

وأشار إلى أن بدايته كانت مع شركة Servcorp المتخصصة في تأجير المكاتب المخدومة، حيث اكتسب خبرة مباشرة في التعامل مع الشركات وإدارة عمليات التأجير اليومية، قبل أن ينتقل إلى شركة JLL، لتتوسع مسؤولياته من إدارة مبنى واحد إلى الإشراف على سوق المنطقة الغربية بالكامل، بما يشمل جدة ومكة المكرمة والطائف والمدينة المنورة، والعمل مع كبار المطورين العقاريين والعملاء الدوليين في قطاعات متعددة مثل البنوك والتقنية والضيافة والأدوية.

إدارة صفقات تأجير المكاتب
وبيّن أن إدارة صفقات تأجير المكاتب تختلف عن كثير من القطاعات الأخرى، إذ تبدأ من دراسة احتياجات العميل وإعداد الخيارات المناسبة، مروراً بالزيارات الميدانية والمفاوضات التجارية والقانونية، وصولاً إلى توقيع العقود، وهي عملية قد تستغرق عدة أشهر بسبب تعدد مراحل اتخاذ القرار داخل الشركات الكبرى، على عكس قطاع التجزئة الذي تكون قرارات التوسع فيه أسرع نسبياً.

وأضاف أن الخبرات التي اكتسبها في إدارة الصفقات أهلته لاحقاً لتأسيس إدارات تأجير متكاملة داخل شركات مثل شركة البلد، ومدينة مسك، وشركة أسس العقارية، من خلال بناء فرق العمل، ووضع السياسات والإجراءات، وتصميم الأنظمة التشغيلية والتقنية، بحيث يتحول دور مدير التأجير من منفذ للصفقات إلى قائد يضع الاستراتيجية ويتابع تنفيذها.

وأكد الطيار أن المقارنة بين تأجير المكاتب وتأجير المساحات التجارية ليست في محلها، لأن لكل قطاع طبيعته الخاصة، إلا أن تأجير المكاتب يحتاج إلى صبر أكبر، نظراً لأن قرارات الشركات، خاصة العالمية، تمر بعدة مستويات إدارية وموافقات داخلية قبل اعتمادها، وهو ما يجعل دورة التفاوض أطول وأكثر تعقيداً.

أهمية دراسة طبيعة المشروع والسوق المستهدف
وشدد على أن أحد أكبر الأخطاء التي يقع فيها مدير التأجير هو النظر إلى المساحة باعتبارها مجرد أرقام وأمتار مربعة، دون دراسة طبيعة المشروع وهوية الأصل العقاري والسوق المستهدف. فنجاح التأجير يبدأ بفهم استراتيجية المشروع، ودراسة المنطقة، وتحليل المنافسين، ومعرفة نوعية العلامات التجارية أو الشركات المناسبة لكل موقع، لأن كل مشروع له شخصية مختلفة وجمهور مستهدف مختلف.
وأوضح أن تسويق المكاتب يختلف جذرياً عن تسويق المحال التجارية داخل المراكز التجارية، فالأخيرة تعتمد على جذب العلامات التجارية التي تستهدف المستهلك النهائي، بينما يعتمد تسويق المكاتب بصورة أكبر على العلاقات المهنية، وقواعد بيانات الشركات، وشركات الاستشارات العقارية العالمية والمحلية، إلى جانب الوسطاء المتخصصين في تمثيل المستأجرين.

وحول تأسيس إدارة تأجير جديدة، أكد الطيار أن البداية الصحيحة لا تقتصر على تعيين فريق عمل، وإنما تبدأ بإعداد دراسة متكاملة توضح سبب إنشاء الإدارة، وأهدافها، ودورها داخل الشركة، ثم تحليل المحفظة العقارية الحالية والمستقبلية، وتحديد المستهدفات المالية والتشغيلية، والاتفاق مع أصحاب القرار على مؤشرات الأداء، قبل وضع آليات التنفيذ المناسبة.
وأضاف أن تحديد هوية الأصل العقاري يجب أن يتم منذ مرحلة التطوير ودراسات الجدوى، لأن طبيعة المشروع ومستوى التشطيبات والخدمات والمرافق تحدد الفئة المستهدفة من العملاء، وبالتالي تحدد مستويات الإيجارات الممكنة. فهناك اختلاف واضح بين مشروع يقع في منطقة شعبية وآخر داخل منطقة أعمال أو مشروع فاخر، ولكل منهما جمهوره واستراتيجيته.

استراتيجيات التسعير
وفيما يتعلق باستراتيجيات التسعير، أوضح الطيار أن أغلب الشركات تعتمد على المزج بين المقارنة بالسوق وتحقيق العائد الاستثماري المستهدف، مؤكداً أن التسعير الناجح لا يعتمد على أوضاع السوق الحالية فقط، وإنما يجب أن يراعي التغيرات المستقبلية التي قد تحدث عند اكتمال المشروع، سواء من حيث المنافسة أو حجم المعروض أو تغير الطلب، لذلك يجب أن تتمتع استراتيجيات التسعير بالمرونة والديناميكية.

وأشار إلى أن المبادئ نفسها تنطبق على مختلف أنواع الأصول العقارية، سواء كانت مكاتب أو محال تجارية أو مشاريع متعددة الاستخدامات، مع اختلاف طبيعة كل نشاط.
كما أكد أن الطلب على المكاتب الجاهزة والمجهزة يشهد نمواً متسارعاً في السوق السعودي، خاصة مع رغبة الشركات في بدء أعمالها بسرعة دون تحمل تكاليف التشطيب والتجهيز، وهو ما يجعل المكاتب بنظام Plug and Play تحقق إيجارات أعلى قد تزيد بنسبة تتراوح بين 50 و60% مقارنة بالمكاتب التقليدية، لافتاً إلى أن عدداً متزايداً من المطورين بدأ يتجه إلى هذا النوع من المنتجات.

سياسات منح الحوافز والتخفيضات
وتحدث الطيار عن سياسات منح الحوافز والتخفيضات للمستأجرين، مؤكداً أن قرار خفض الإيجار لا يجب أن يكون قراراً عشوائياً، وإنما يعتمد على قيمة المستأجر بالنسبة للمشروع. فالمستأجر الرئيسي أو ما يعرف بـ Anchor Tenant قد يستحق تقديم حوافز خاصة إذا كان وجوده يرفع من قيمة المشروع ويجذب مستأجرين آخرين، بينما قد لا يكون تقديم التنازلات مناسباً للمستأجرين محدودي التأثير أو ذوي المخاطر الائتمانية.

وتطرق إلى تجربته في تأجير المشاريع قبل اكتمال تنفيذها، مؤكداً أن نجاح التأجير على الخارطة يعتمد أولاً على قدرة مدير التأجير على رواية قصة المشروع وإقناع العميل برؤيته المستقبلية، ثم استخدام أدوات داعمة مثل التصاميم ثلاثية الأبعاد، والجولات الافتراضية، والعروض التقديمية، إضافة إلى عنصر بالغ الأهمية يتمثل في سمعة المطور وسجله السابق في الالتزام بالجودة ومواعيد التسليم.
وأوضح أن أكثر ما يشغل المستأجرين عند التعاقد على مشاريع تحت الإنشاء هو موعد التسليم، وسجل المطور والمقاول المنفذ، لأن كثيراً من العملاء لديهم تجارب سابقة مع مشاريع تأخرت عن مواعيدها، ولذلك أصبحت الثقة في المطور عاملاً رئيسياً في اتخاذ قرار الاستثمار أو الاستئجار.

واختتم الطيار حديثه بالإشارة إلى أن نجاح أي مشروع عقاري لا يعتمد على جودة المبنى فقط، بل على تكامل عناصر التخطيط والتطوير والتسعير والتأجير، مؤكداً أن مدير التأجير الناجح هو من ينظر إلى العقار باعتباره منظومة اقتصادية متكاملة، لا مجرد مساحة يسعى إلى تأجيرها، لأن القيمة الحقيقية للأصل العقاري تُبنى من خلال استراتيجية واضحة وهوية دقيقة ومستأجرين قادرين على تعزيز مكانة المشروع واستدامة عوائده.