ذكرى بيعة الملك سلمان.. 12 عامًا توثق مسيرة البناء والتنمية

في الذكرى الثانية عشرة للبيعة، تستعرض المملكة مسيرة الملك سلمان من تطوير الرياض إلى قيادة التحول الوطني الشامل.

نشر في

في مسيرة الدول، لا تُقاس التحولات الكبرى بعدد السنوات وحده، وإنما بما تتركه تلك السنوات من أثر في الإنسان والمكان ومؤسسات الدولة ومستقبلها. وفي المملكة العربية السعودية، تحمل ذكرى البيعة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- استحضارًا لمسيرة طويلة من العمل بدأت قبل توليه مقاليد الحكم بعقود، وتواصلت خلال سنوات عهده عبر مشاريع وبرامج وإصلاحات أعادت رسم كثير من ملامح الحياة في المملكة.
ويأتي اليوم الاثنين 14 سبتمبر 2026 الذكرى الثانية عشرة لتولي الملك سلمان مقاليد الحكم، والمملكة تمضي في مسار تنموي واسع يستند إلى رؤية واضحة للمستقبل، ويجمع بين تطوير مؤسسات الدولة، وتنويع الاقتصاد، وتمكين أبناء الوطن، وتعزيز حضور المملكة سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا على الساحة الدولية.
ولم تبدأ علاقة الملك سلمان بمشروعات التنمية مع وصوله إلى سدة الحكم؛ فقد كانت الرياض على مدى أكثر من خمسة عقود مسرحًا لتجربة إدارية وتنموية واسعة، شهد خلالها تحول العاصمة من مدينة محدودة السكان والإمكانات إلى واحدة من أبرز العواصم العربية وأكثرها نموًا وحضورًا.

تجربة مبكرة في الإدارة وبناء المدن
وُلد الملك سلمان بن عبدالعزيز في الخامس من شوال عام 1354هـ الموافق 31 ديسمبر 1935م، وهو الابن السادس والعشرون للملك عبدالعزيز آل سعود، ووالدته الأميرة حصة بنت أحمد السديري. نشأ في كنف والده الملك عبدالعزيز، وتلقى تعليمه في مدرسة الأمراء بالرياض، واهتم منذ سنواته الأولى بحفظ القرآن الكريم ودراسة الأحاديث النبوية الشريفة، لتتكون في شخصيته مبكرًا ملامح الارتباط بالتاريخ والهوية والقيم التي شكّلت أساس الدولة السعودية.
وفي سن التاسعة عشرة، بدأت تجربته العملية في الإدارة عندما عُيّن أميرًا بالنيابة لمنطقة الرياض عام 1373هـ الموافق 1954م، قبل أن يصدر الأمر الملكي بتعيينه أميرًا للمنطقة بمرتبة وزير.

ومن هنا بدأت واحدة من أطول التجارب الإدارية في تاريخ المملكة، إذ استمر في إمارة الرياض لأكثر من خمسين عامًا، وهي فترة شهدت خلالها العاصمة تغيرًا هائلًا في بنيتها العمرانية والاقتصادية والخدمية.
فالرياض التي كان عدد سكانها في بدايات تلك المرحلة في حدود مئة ألف نسمة، أصبحت اليوم مدينة كبرى يقطنها أكثر من 8.6 مليون نسمة، وتحوّلت إلى مركز اقتصادي وسياسي وثقافي إقليمي بارز.
وخلال تلك السنوات، لم يقتصر دور الملك سلمان على إدارة شؤون العاصمة، بل أصبح حاضرًا في العديد من الملفات الوطنية، وقريبًا من ملوك المملكة الذين تعاقبوا على الحكم، ومستشارًا لهم وأمين سرهم ومبعوثًا في عدد من المهام السياسية والوطنية.

اهتمام بالتاريخ والثقافة والمجتمع
امتدت اهتمامات الملك سلمان خلال سنوات عمله إلى ما هو أبعد من الإدارة والتنمية العمرانية، إذ ارتبط اسمه بالعمل الثقافي والاجتماعي وحفظ تاريخ الدولة السعودية.
وخلال فترة إماراته لمنطقة الرياض، عُرف مجلسه الأسبوعي باستضافة العلماء والمفكرين والمثقفين والمهتمين بالشأن العام، في مساحة جمعت الحوار وتبادل الرؤى والاهتمام بقضايا المجتمع. كما تولى رئاسة مجلس إدارة دارة الملك عبدالعزيز لنحو 25 عامًا، وأسهم في دعم الجهود الرامية إلى توثيق تاريخ المملكة والمحافظة على مصادره وموروثه.
وكان من أبرز المحطات التاريخية التي أشرف عليها الاحتفال بمناسبة مرور مئة عام على تأسيس المملكة عام 1419هـ الموافق 1999م، وما صاحبه من فعاليات، من بينها افتتاح مركز الملك عبدالعزيز التاريخي وتكريم عدد من الرواد وأحفادهم.

من إمارة الرياض إلى وزارة الدفاع
في ذي الحجة عام 1432هـ الموافق نوفمبر 2011م، انتقلت مسيرة الملك سلمان إلى محطة جديدة بتعيينه وزيرًا للدفاع، حيث واصل العمل على تطوير المنظومة الإدارية والعسكرية، واهتم ببرامج التدريب والابتعاث والتأهيل، إلى جانب دعم المشاريع العسكرية والمناورات ورفع كفاءة الأداء.
وبعد وفاة الأمير نايف بن عبدالعزيز، رحمه الله، اختاره الملك عبدالله بن عبدالعزيز وليًا للعهد ونائبًا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرًا للدفاع في 28 رجب 1433هـ الموافق 18 يونيو 2012م.
وبعد عقود من الخبرة في الإدارة والعمل العام، تولى الملك سلمان قيادة المملكة في الثالث من ربيع الآخر 1436هـ الموافق 23 يناير 2015م، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من مسيرة البناء والتحديث.

إعادة تنظيم الدولة ورفع كفاءة الأداء
منذ الأيام الأولى للعهد، برز توجه واضح نحو إعادة تنظيم العمل الحكومي ورفع كفاءة مؤسسات الدولة وتوحيد الجهود بين الأجهزة المختلفة.
وفي عام 1436هـ الموافق 2015م، صدر أمر ملكي بإلغاء 12 لجنة ومجلسًا أعلى، وإنشاء مجلس الشؤون السياسية والأمنية ومجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، في خطوة استهدفت رفع كفاءة اتخاذ القرار وتحقيق قدر أكبر من التكامل بين الجهات الحكومية.

كما شهدت السنوات التالية إعادة هيكلة لعدد من الوزارات والأجهزة الحكومية، سواء من خلال الدمج أو الفصل أو استحداث كيانات جديدة، بالتوازي مع إنشاء مؤسسات وبرامج تستهدف تحسين كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية، وتسريع التحول الرقمي، وتطوير الأداء الإداري.
ومن بين هذه المنظومات برنامج التحول الوطني، وهيئة كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية، وهيئة الحكومة الرقمية، والمركز الوطني لنظم الموارد الحكومية، إلى جانب إنشاء وزارة الثقافة، بما يعكس اتساع نطاق العمل الحكومي ليشمل قطاعات جديدة واحتياجات متجددة.

مكافحة الفساد.. حماية لموارد التنمية
مثّلت مكافحة الفساد أحد الملفات التي حظيت باهتمام بارز خلال عهد الملك سلمان، استمرارًا لنهج ارتبط بمسيرته الإدارية منذ سنوات عمله في الرياض. وفي صفر 1439هـ الموافق نوفمبر 2017م، صدر أمر بتشكيل اللجنة العليا لمكافحة الفساد برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في خطوة عكست توجه الدولة نحو تعزيز الرقابة والشفافية وحماية المال العام.
وتزامن ذلك مع تعزيز دور الجهات الرقابية ومكافحة الفساد، بما يستهدف الحد من الممارسات التي يمكن أن تؤثر في كفاءة الاقتصاد أو تعرقل مسيرة التنمية، وترسيخ مبدأ المساءلة باعتباره عنصرًا أساسيًا في بناء الدولة الحديثة.

رؤية 2030.. خارطة طريق لاقتصاد أكثر تنوعًا
إذا كانت السنوات الأولى من عهد الملك سلمان قد شهدت إعادة ترتيب واسعة لمنظومة العمل الحكومي، فإن إطلاق رؤية السعودية 2030 مثّل نقطة تحول أكثر شمولًا في مسار التنمية الوطنية.
ففي رجب 1437هـ الموافق أبريل 2016م، وافق الملك سلمان على الرؤية التي قدمها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لتصبح إطارًا جامعًا لبرامج التحول الاقتصادي والاجتماعي والتنمية الوطنية حتى عام 2030. وانطلقت الرؤية من هدف أساسي يتمثل في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وأقل اعتمادًا على النفط، مع رفع كفاءة الحكومة، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتطوير القطاعات الواعدة، وخلق فرص العمل، ورفع جودة الحياة.
وخلال سنوات تنفيذها، توسعت المشاريع والبرامج المرتبطة بها في مجالات الاقتصاد والسياحة والثقافة والترفيه والرياضة والتقنية والصناعة والخدمات اللوجستية، بالتوازي مع تطوير البنية التحتية ورفع تنافسية المملكة.
وأصبحت الرؤية كذلك إطارًا لقياس الأداء الحكومي ومتابعة المستهدفات، مع تحقيق عدد من المؤشرات نتائج تجاوزت ما كان مخططًا له في مراحل زمنية سابقة.

المرأة السعودية.. حضور متزايد في مسيرة التنمية
وامتدت التحولات التي شهدتها المملكة إلى الجانب الاجتماعي، حيث حظيت المرأة السعودية بمساحة أكبر للمشاركة في مختلف المجالات.
ومن أبرز التحولات السماح للمرأة بقيادة السيارة، إلى جانب ارتفاع معدلات مشاركتها في سوق العمل، واتساع حضورها في مواقع قيادية داخل الوزارات والأجهزة الحكومية والقطاعين العام والخاص، فضلًا عن مشاركتها المتزايدة في المجالات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية.
وجاءت هذه التحولات ضمن مسار أوسع لتمكين الكفاءات الوطنية والاستفادة من الطاقات البشرية باعتبارها أحد المحركات الأساسية لتحقيق أهداف التنمية.

الحرمين الشريفين وخدمة ضيوف الرحمن
وفي قلب اهتمامات الدولة السعودية، ظل الحرمان الشريفان حاضرَين في مسيرة التطوير، حيث تابع الملك سلمان أعمال التوسعة الثالثة للمسجد الحرام وما يرتبط بها من مشروعات تهدف إلى رفع الطاقة الاستيعابية وتحسين الخدمات المقدمة لقاصدي مكة المكرمة.
كما صدر أمر بإنشاء الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، في إطار توجه يستهدف تطوير المنطقة وخدمة سكانها وزوارها، إلى جانب إطلاق برنامج خدمة ضيوف الرحمن ضمن برامج رؤية السعودية 2030.
ويعكس هذا المسار استمرار العناية التي توليها المملكة للحرمين الشريفين، والعمل على توفير أفضل الخدمات للمعتمرين والحجاج والزوار.

الدور الإنساني.. حضور يتجاوز الحدود
ولم تقتصر مسيرة العطاء في عهد الملك سلمان على الملفات الداخلية، بل امتدت إلى المجال الإنساني والإغاثي، حيث تأسس مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، ليكون منصة مؤسسية للعمل الإغاثي والإنساني الذي تقدمه المملكة للمحتاجين والمتضررين في مناطق مختلفة من العالم.
ويأتي هذا الدور امتدادًا لاهتمام الملك سلمان بالعمل الخيري والإنساني، وهو اهتمام رافقه منذ سنوات عمله في إمارة الرياض، إلى جانب حرصه على تعزيز تماسك الأسرة المالكة وترابطها وتولي شؤونها.

المملكة في عهد التحول
اليوم، تبدو المملكة أمام مشهد مختلف عما كانت عليه قبل سنوات؛ فالتغيير لم يعد محصورًا في مشروع أو قطاع، وإنما أصبح مسارًا متكاملًا يشمل الاقتصاد والإدارة والثقافة والمجتمع والتقنية والبنية التحتية وجودة الحياة. وتشهد مختلف مناطق المملكة مشروعات تنموية متسارعة، فيما تتوسع فرص الاستثمار، وتتطور المدن، وتبرز قطاعات جديدة، ويتزايد حضور المملكة في الملفات الاقتصادية والسياسية والثقافية العالمية.
ويأتي ذلك في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله-، وبمساندة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ضمن مسار يستهدف الوصول بالمملكة إلى موقع أكثر تقدمًا وتأثيرًا على المستويين الإقليمي والدولي.