تدخل السوق العقارية في السعودية مرحلة مفصلية مع تسارع تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للتخصيص، التي لم تعد تُقرأ بوصفها برنامجاً إدارياً أو مالياً فحسب، بل باعتبارها مشروعاً اقتصادياً متكاملاً يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، ويضع العقار في قلب عملية التحول. فمع انتقال الحكومة من دور المالك والمشغّل إلى المنظم والمحفّز، تتحول الأرض والمنشأة من مجرد أصول جامدة إلى أدوات استثمارية فاعلة تقود النمو، وتستقطب رؤوس الأموال، وتخلق أنماطاً جديدة من الشراكات طويلة الأجل.
العقار في صميم التحول الاقتصادي
تكشف الاستراتيجية الوطنية للتخصيص عن حقيقة محورية مفادها أن نجاح الخصخصة في القطاعات المختلفة يبدأ من العقار. فمع استهداف 18 قطاعاً حيوياً، يتقاطع عدد كبير منها بشكل مباشر مع التطوير العقاري، سواء عبر بناء الأصول، أو تشغيلها، أو إدارتها. هذا التقاطع يجعل القطاع العقاري أحد أكبر المستفيدين من موجة التخصيص، وفي الوقت نفسه أحد أهم الممكنات لتحقيق أهدافها. فالتحول نحو الشراكة بين القطاعين العام والخاص يعني عملياً ضخ فرص استثمارية تعتمد على الأرض والبنية التحتية والمرافق العامة، ما يفتح المجال أمام المطورين العقاريين للانتقال من نموذج التطوير التقليدي إلى نموذج أكثر تعقيداً واستدامة يقوم على التشغيل طويل الأجل وتحقيق العوائد المتكررة.
البلديات والخدمات.. بوابة الفرص الكبرى
يمثل قطاع البلديات والخدمات أحد أبرز محركات التأثير العقاري في الاستراتيجية الوطنية للتخصيص. فتحويل عدد واسع من الخدمات البلدية إلى القطاع الخاص لا يعني فقط تحسين الكفاءة التشغيلية، بل يخلق سوقاً جديدة لإدارة المرافق الحضرية، تشمل الحدائق العامة، والساحات، والمرافق الخدمية، ومواقف السيارات، واللوحات الإعلانية. هذا التحول يعزز مفهوم “العقار التشغيلي”، حيث تتحول الأصول الحضرية إلى مشاريع مدرّة للدخل عبر عقود طويلة الأجل بنظام الشراكة، ما ينعكس إيجاباً على شركات إدارة الأملاك والمرافق، ويمنح المدن مصادر تمويل ذاتية، ويُسهم في تحسين جودة الخدمات المقدمة للسكان.
الإسكان.. من الدعم الحكومي إلى الشراكة المستدامة
في قطاع الإسكان، تعكس الاستراتيجية نقلة نوعية من نموذج يعتمد على الدعم الحكومي المباشر، إلى نموذج تشاركي يوسع دور المطور العقاري كشريك استثماري. فإسناد تطوير البنية التحتية للأراضي إلى القطاع الخاص، وفق نماذج استثمارية مبتكرة، يخفف العبء عن الميزانية العامة، ويُسرّع وتيرة التطوير العمراني، ويزيد من كفاءة استغلال الأراضي.كما أن التركيز على تشغيل وصيانة المجمعات السكنية الكبرى يعزز مفهوم الاستدامة، ويضمن الحفاظ على جودة الأصول السكنية على المدى الطويل، ما ينعكس على استقرار السوق، ويرفع من جاذبية الاستثمار في المشاريع السكنية المتكاملة.
النقل والخدمات اللوجستية.. مضاعف القيمة العقارية
يشكل تخصيص قطاعات النقل والخدمات اللوجستية، بما في ذلك المطارات والموانئ والسكك الحديدية، نقطة تحول في ديناميكية السوق العقارية. فهذه المشاريع لا تقتصر آثارها على تحسين كفاءة النقل، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الخريطة العقارية للمناطق المحيطة بها. ومن المتوقع أن يؤدي هذا التوجه إلى نمو متسارع في العقارات اللوجستية، وارتفاع الطلب على المستودعات ومراكز التوزيع، إضافة إلى زيادة القيمة السوقية للأراضي الواقعة بالقرب من محطات النقل والموانئ، نتيجة تحسن الربط وتوسع النشاط التجاري والصناعي.
الصحة والتعليم.. ولادة أصول عقارية متخصصة
مع توجه الحكومة للتركيز على دورها التنظيمي، يفتح التخصيص المجال أمام القطاع الخاص لتولي بناء وتشغيل المستشفيات والمراكز الصحية والمدارس. هذا التحول يخلق نوعاً جديداً من الأصول العقارية المتخصصة، ذات دخل تشغيلي مستقر وطويل الأجل، تُعرف بالعقارات المؤسسية. وتُعد هذه الأصول جاذبة بشكل خاص لصناديق الاستثمار العقاري (الريت)، والمستثمرين الاستراتيجيين، لما توفره من استقرار في التدفقات النقدية، ومخاطر تشغيلية أقل مقارنة ببعض القطاعات العقارية التقليدية.
السيولة والاستثمار.. أثر مضاعف على السوق
يشكل ضخ استثمارات رأسمالية من القطاع الخاص تُقدّر بنحو 240 مليار ريال عاملاً حاسماً في تنشيط السوق العقارية. فهذه السيولة لا تنعكس فقط على قطاع الإنشاءات والمقاولات، بل تمتد إلى تحفيز التمويل العقاري، وتعزيز قدرة المطورين على تنفيذ مشاريع كبرى تتطلب رؤوس أموال ضخمة وفترات استرداد طويلة. كما تسهم هذه التدفقات في رفع مستوى الاحترافية في السوق، وتشجع على تبني نماذج استثمارية أكثر تقدماً، تعتمد على التخطيط طويل الأجل وإدارة المخاطر.
مشاريع نوعية تعيد رسم المشهد العقاري
تجسد المشاريع المطروحة ضمن الاستراتيجية الوطنية للتخصيص الأثر العملي لهذا التحول، سواء في التعليم عبر بناء وتشغيل مدارس نموذجية تخدم مئات الآلاف من الطلاب، أو في القطاع الدفاعي من خلال تطوير بيئات عمل مكتبية متقدمة، أو في القطاع الرياضي عبر مشاريع عملاقة تعزز العقار الترفيهي والخدمي، خصوصاً مع استعداد المملكة لاستضافة أحداث عالمية كبرى. هذه المشاريع لا تمثل مجرد أصول جديدة، بل تُعد محركات نمو للطلب على العقارات المكتبية، والتعليمية، والترفيهية، والخدمات المساندة، ما ينعكس على مختلف حلقات سلسلة القيمة في القطاع العقاري.
الفئات والجهات المستفيدة
توزع استفادة الاستراتيجية الوطنية للتخصيص على نطاق واسع، يشمل المطورين العقاريين، وشركات إدارة وتشغيل المرافق، وصناديق الاستثمار العقاري، والمقاولين، والجهات التمويلية، إضافة إلى المستثمرين المحليين والدوليين. كما يستفيد المواطن والمقيم من تحسن جودة الخدمات، وتطور البنية التحتية، وتنوع الخيارات السكنية والخدمية.







