القطاع السكني يسجل تراجعًا في المعاملات خلال الربع الأول من 2026

تقرير «جيه إل إل» يرصد صمود العقار السعودي أمام تباطؤ إقليمي، مع قوة المكاتب الفاخرة والقطاعات اللوجستية والضيافة واستقرار سكني نسبي
مدينة الرياض

نشر في

أظهر سوق العقارات السعودي قدرة لافتة على التماسك خلال الربع الأول من العام 2026، مدعوماً بزخم المشاريع الحكومية واستمرار برامج التنويع الاقتصادي، في وقت واصلت فيه القطاعات اللوجستية والضيافة والتجزئة تسجيل أداء قوي، بينما دخل القطاع السكني مرحلة إعادة توازن بعد سنوات من النمو المتسارع.

وكشفت شركة «جيه إل إل» في تقريرها حول أداء السوق العقاري السعودي خلال الربع الأول من 2026، أن السوق نجحت في التعامل مع تباطؤ النشاط الناتج عن حالة عدم اليقين الإقليمي، مع بروز مرونة واضحة في عدد من القطاعات الرئيسية، مؤكدة أن الدعم الحكومي ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030 لا يزال يدعم آفاق النمو طويلة الأجل. ويشهد سوق العقارات السعودي مرحلة تطور مدروسة، بدعم من القطاعين الصناعي واللوجستي اللذين يعملان بالقرب من كامل طاقتهما التشغيلية، وهو ما يعكس مكانة المملكة كمركز رئيسي في سلاسل الإمداد الإقليمية والعالمية.
وتواصل مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة دعم قطاع الضيافة بفضل الطلب القوي المرتبط بموسم العمرة، بينما يُنظر إلى تباطؤ القطاع السكني باعتباره مرحلة صحية لإعادة تنظيم السوق وتهيئته لنمو أكثر استدامة خلال السنوات المقبلة.

المكاتب الفاخرة تحافظ على قوتها
وأظهر قطاع المساحات المكتبية مرونة واضحة رغم الضغوط الإقليمية، مدعوماً بالنمو المتواصل لدور السعودية كمركز أعمال إقليمي. وارتفع الطلب على المكاتب الحديثة والمجهزة بالخدمات، في ظل توجه الشركات نحو المساحات عالية الجودة ذات المواقع الاستراتيجية والخدمات المتكاملة.
وفي الرياض، حافظت المكاتب الفاخرة على مستويات أداء قوية مع محدودية المعروض واستمرار الطلب المرتفع، حيث بلغت نسبة الشواغر نحو 3.2% فقط، فيما واصل مركز الملك عبدالله المالي تصدره لقائمة أعلى الإيجارات المكتبية في العاصمة.
وسجلت إيجارات المكاتب الفاخرة في الرياض نمواً سنوياً بلغ 5.5%، كما ارتفعت إيجارات مكاتب الفئة (أ) بنسبة 2.1% والفئة (ب) بنحو 5.1%، مدفوعة بقوة الطلب وقلة المعروض الجديد.

أما في جدة، فقد بلغت نسبة الشواغر في مكاتب الفئة (أ) نحو 6%، بالتزامن مع انخفاض الإيجارات بنسبة 3.8% نتيجة انتقال المستأجرين إلى العقارات الأحدث، بينما ارتفعت إيجارات مكاتب الفئة (ب) بنسبة 2.5% مع اتجاه الشركات لتحقيق توازن بين الجودة والتكلفة. وفي حاضرة الدمام، تحسنت معدلات الإشغال للمكاتب من الفئتين (أ) و(ب)، بالتزامن مع ارتفاع الإيجارات بنسبة 9.2% و8.7% على التوالي، ما يعكس استمرار الطلب على المساحات المكتبية الأقل تكلفة. كما شهد قطاع الإنشاءات المكتبية نشاطاً ملحوظاً، إذ أُنجزت مساحات جديدة في الرياض تجاوزت 179 ألف متر مربع خلال الربع الأول، مع توقعات بإضافة نحو 1.2 مليون متر مربع أخرى بنهاية العام الجاري.

منافذ التجزئة تواجه اختبار المعروض الجديد
وفي قطاع التجزئة، حافظت الأسواق التجارية في الرياض وجدة على أداء قوي خلال الربع الأول، مدفوعة بالنمو السكاني وارتفاع الإنفاق الاستهلاكي، إلى جانب تحول متسارع في استراتيجيات تجار التجزئة نحو الأنشطة الترفيهية والتجارب التفاعلية وتوسيع قطاع الأطعمة والمشروبات.
واستقرت معدلات الشواغر في مراكز التسوق الإقليمية الكبرى بالرياض عند مستويات منخفضة بلغت 2.1%، فيما سجلت المراكز الإقليمية والمحلية معدلات أعلى نسبياً وصلت إلى 9.7% و10.4%.

وفي جدة، بلغ معدل الشواغر في المراكز التجارية الكبرى نحو 7%، بينما ارتفعت معدلات الشغور في المراكز الثانوية، في وقت سجلت فيه الإيجارات بالمراكز الرئيسية نمواً سنوياً بلغ 13%، ما يعكس استمرار قوة الأصول التجارية المتميزة. ورغم الأداء القوي، أشار التقرير إلى أن السوق تستعد لاستقبال موجة ضخمة من المعروض الجديد، حيث ارتفع مخزون منافذ التجزئة في الرياض إلى 4.7 مليون متر مربع، مع توقعات بإضافة نحو 896 ألف متر مربع أخرى خلال ما تبقى من العام. وتوقعت الشركة أن يؤدي هذا التوسع إلى زيادة الضغوط على الإيجارات، خاصة في الأصول الثانوية، مع احتدام المنافسة بين الملاك لجذب المستأجرين.

الضيافة تستند إلى العمرة والسياحة الداخلية
وسجل قطاع الضيافة أداءً متبايناً خلال الربع الأول من 2026، متأثراً بانخفاض أعداد الزوار الدوليين نتيجة التوترات الجيوسياسية، إلا أن الطلب المحلي والسياحة الدينية وفّرا دعماً مهماً للنشاط الفندقي. وبلغ معدل الإشغال الفندقي على مستوى المملكة نحو 66.3%، مع ارتفاع متوسط الأسعار اليومية بنسبة 3% إلى أكثر من 805 ريالات، فيما تراجعت الإيرادات لكل غرفة متاحة بشكل طفيف.
وتباين الأداء بين المدن، حيث شهدت الرياض تراجعاً في معدلات الإشغال إلى 52.2% مع انخفاض الإيرادات لكل غرفة متاحة بنحو 9.5%، رغم ارتفاع الأسعار اليومية.

في المقابل، حققت جدة أداءً أقوى، مع ارتفاع الإشغال إلى 66.1% وزيادة الإيرادات لكل غرفة متاحة بنسبة 4.4%. أما مكة المكرمة والمدينة المنورة، فواصلتا الاستفادة من الزخم الديني، حيث سجلت المدينتان معدلات إشغال مرتفعة بلغت 78.6% و81.3% على التوالي، بدعم من الطلب المرتبط بالعمرة والزوار الدينيين. كما استمر نمو المعروض الفندقي، مع ارتفاع عدد الغرف الفندقية في الرياض إلى نحو 49.4 ألف غرفة، بينما أضافت مكة المكرمة نحو 1700 غرفة جديدة خلال الربع الأول.

تصحيح سعري في القطاع السكني
وشهد قطاع الوحدات السكنية تراجعاً حاداً في نشاط المعاملات خلال الربع الأول من العام الجاري، متأثراً بحالة عدم اليقين الاقتصادي والتوترات الإقليمية والتغيرات التنظيمية الأخيرة.

وسجلت الرياض أكثر من 8600 صفقة سكنية بانخفاض تجاوز 54% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما تراجعت المعاملات في جدة بأكثر من 51%، وفي الدمام والخبر بنسب وصلت إلى 18.6% و22.5% على التوالي. كما بدأ السوق يشهد تحولاً تدريجياً من النمو المدفوع بالمضاربات إلى سوق أكثر ارتباطاً بالطلب الحقيقي والقدرة الشرائية.

وفي الرياض، انخفضت أسعار الشقق بنسبة 10.8%، بينما ارتفعت أسعار الفلل بنحو 2.6%. وعلى الجانب الآخر، سجلت جدة نمواً في أسعار الشقق والفلل بنسبة 4% و3.8% مدفوعة بالمشاريع الساحلية والتطويرات السياحية. ورغم التراجع الحالي، توقعت الشركة أن تدعم عوامل مثل النمو السكاني وبرامج الإسكان الحكومية والاستثمار في البنية التحتية عودة النشاط التدريجية للسوق على المدى الطويل.
كما أشارت إلى استمرار التوسع في المعروض السكني، حيث بلغ مخزون الوحدات في الرياض نحو 2.19 مليون وحدة، مع توقعات بإضافة أكثر من 20 ألف وحدة جديدة خلال العام الجاري.

اللوجستيات تواصل قيادة المشهد
وفي المقابل، واصل قطاع الخدمات اللوجستية والصناعية تصدره لمشهد النمو العقاري في المملكة، مع ارتفاع معدلات الإشغال إلى أكثر من 90% في الرياض وجدة، مدعوماً بقوة الطلب على المستودعات والمرافق الحديثة. وسجلت الإيجارات الصناعية في الرياض نمواً سنوياً بلغ 5.1%، فيما ارتفعت في جدة بنسبة 5.3%، بينما قفزت الإيجارات في الدمام بنحو 9.9%.

وأشار التقرير إلى أن الطلب القوي على الأصول اللوجستية عالية الجودة يأتي مدفوعاً بالتوسع في التجارة الإلكترونية، وتحسين سلاسل الإمداد، وزيادة نشاط شركات الخدمات اللوجستية. وأكدت الشركة أن الموقع الاستراتيجي للمملكة وتوسع شبكة الموانئ، إلى جانب برامج برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية، يعززان مكانة السعودية كمحور رئيسي للتجارة وسلاسل الإمداد في المنطقة.