من تجارة العقار إلى صناعة القيمة العقارية

إجراءات التوازن العقاري في الرياض تعيد تعريف السوق، من مراقبة الأسعار إلى تعظيم العائد وتطوير الأراضي وزيادة المعروض.

صورة تعبيرية البيانات العقارية

نشر في

بعد عام تقريبًا على بدء إجراءات تحقيق التوازن العقاري في الرياض، لا تزال أكثر الأسئلة تداولًا هي الأبسط: هل ارتفعت الأسعار أم انخفضت؟وهو سؤال مشروع، لكنه في تقديري لم يعد كافيًا لفهم ما يحدث في سوق الرياض، فالتوازن العقاري ليس قرارًا واحدًا لخفض الأسعار، وإنما مجموعة من الإجراءات التي تستهدف زيادة المعروض، وتحفيز استخدام الأراضي وتطويرها، وتنظيم السوق الإيجارية، وصولًا إلى سوق أكثر توازنًا بين قدرة المواطن على السكن والتملك واستمرار الجدوى الاقتصادية للمالك والمطور والمستثمر.
لكن الأهم من متابعة حركة الأسعار وحدها هو السؤال عن أثر هذه التغيرات على أطراف السوق.  هل أصبح الحصول على المسكن المناسب أكثر سهولة؟

انخفاض الأسعار لا يعني سهولة التملك
في رأيي، نجاح التوازن العقاري لا ينبغي أن يُقاس فقط بارتفاع الأسعار أو انخفاضها، فالقدرة الحقيقية على التملك ترتبط بسعر المسكن، ودخل الأسرة، وتكلفة التمويل، وحجم القسط الشهري، وتوفر المنتج المناسب.
قد ينخفض سعر العقار، لكن إذا بقيت تكلفة تمويله مرتفعة مقارنة بدخل الأسرة فلن يصبح الوصول إليه سهلًا بالضرورة. وفي المقابل، فإن زيادة المعروض واستقرار السوق الإيجارية يمكن أن يمنحا الأسر خيارات أوسع وقدرة أكبر على التخطيط المالي.
ومن هذه الزاوية، فإن إيقاف الزيادة السنوية في الإيجارات داخل النطاق العمراني لمدينة الرياض لمدة خمس سنوات يمنح المستأجر استقرارًا أكبر في التزامه الشهري، حتى وإن لم يؤدِّ ذلك مباشرة إلى انخفاض تكلفة التملك.

المالك: العائد أهم من ذاكرة السعر
أما المالك، فالتحدي لا يقتصر على قيمة العقار، فالزيادة في الإيراد الإيجاري مقيدة نظاميًا، بينما تكاليف التشغيل والصيانة والتمويل ليست ثابتة بالضرورة. وهذا يجعل صافي العائد والاستخدام الأمثل للأصل أكثر أهمية من الاعتماد على سعر تاريخي وصل إليه العقار في دورة سابقة.
فالسؤال لم يعد فقط: كم أصبح سعر عقاري؟ بل: كم يحقق من عائد؟ وهل استخدامه الحالي هو الاستخدام الأمثل؟ وهل يمكن تطويره أو رفع كفاءته بما يحقق عائدًا أفضل؟

من حيازة الأرض إلى صناعة القيمة
وهنا أرى التحول الأهم الذي يستحق المتابعة خلال السنوات المقبلة. إجراءات التوازن لم تقتصر على توفير الأراضي للمواطنين، فقد شملت رفع الإيقاف عن مساحات واسعة من الأراضي، وتعديل نظام رسوم الأراضي البيضاء، وتنظيم السوق الإيجارية، ومراقبة الأسعار، إضافة إلى توفير ما بين 10 آلاف و40 ألف قطعة أرض سكنية سنويًا على مدى خمس سنوات، بسعر لا يتجاوز 1,500 ريال للمتر المربع للمستفيدين وفق الضوابط المعتمدة.
ومع زيادة المعروض، وتطور أدوات تنظيم السوق، وتحفيز تطوير الأراضي غير المستغلة، أعتقد أننا قد نكون أمام تحول تدريجي في طريقة صناعة الثروة العقارية نفسها.
في دورات سابقة، كان من الممكن تحقيق قيمة كبيرة من شراء الأرض والاحتفاظ بها وانتظار ارتفاعها. أما في السوق المقبلة، فقد ترتبط القيمة بدرجة أكبر بما يستطيع المستثمر إضافته إلى الأرض: تطويرها، وتحسين استخدامها، والاستفادة من الكثافة والاشتراطات المتاحة، وإنتاج وحدات سكنية أو مشروعات تجارية أو أصول مدرة للدخل تُدار بكفاءة.

وهذا لا يعني انتهاء الاستثمار في الأراضي؛ فالأرض ستظل أصلًا استراتيجيًا، خصوصًا في المواقع المميزة والفرص التطويرية الكبرى.
لكن الفارق مستقبلًا قد يكون بين من يملك الأرض فقط ومن يعرف ماذا يصنع بها.
وهذا هو الانتقال الذي أراه من «تجارة العقار» إلى «صناعة القيمة العقارية».

متى تصل الأسعار إلى قيمتها الحقيقية؟
لا أعتقد أن للقيمة الحقيقية تاريخًا أو رقمًا واحدًا؛ فالرياض ليست سوقًا عقارية متجانسة.
في السكني، ترتبط القيمة بالقدرة الشرائية وتكلفة التمويل والمنتج الذي يحتاجه المواطن. وفي الاستثماري، يحكمها العائد والتدفقات النقدية. أما الأرض، فتُحدد قيمتها بدرجة متزايدة وفق موقعها واستخداماتها وكثافتها وتكلفة تطويرها والطلب على المنتج النهائي. ولذلك قد تصل بعض المنتجات والمواقع إلى التوازن قبل غيرها.
عام واحد لا يكفي للحكم النهائي على إجراءات يمتد أثر عدد منها لسنوات، لكنه كفى ليرسل إشارة إلى بداية تغير في قواعد اللعبة.

فالسوق الأكثر نضجًا ليس السوق الذي تنخفض فيه جميع الأسعار، كما أنه ليس السوق الذي ترتفع فيه جميع العقارات بلا تمييز؛ بل السوق الذي يكافئ الأصل الجيد، والموقع الجيد، والتطوير الجيد، والعائد الحقيقي.
ومن يفهم هذا التحول مبكرًا لن يكون سؤاله فقط: متى سيرتفع العقار أو ينخفض؟
بل سيسأل السؤال الأهم:
أين ستُصنع القيمة العقارية الحقيقية في سوق الرياض القادم؟
مستشار عقاري