التحول الرقمي في جمعيات الملاك… بين كفاءة المنصة وحقوق الملاك

صورة تعبيرية عن الصفقات العقارية - الوساطة العقارية - تسويق عقاري

نشر في

لم يعد التحول الرقمي مجرد خيار لتحسين الخدمات الحكومية، بل أصبح ركيزة أساسية في بناء بيئة تنظيمية أكثر كفاءة وشفافية. ومع ما تشهده المملكة العربية السعودية من تطور متسارع في الخدمات الرقمية، برزت المنصات الإلكترونية بوصفها الواجهة الأولى التي يمارس من خلالها الأفراد حقوقهم ويلتزمون بواجباتهم، وأصبح نجاح أي منظومة تنظيمية مرتبطًا بمدى نجاح منصتها الإلكترونية في ترجمة النصوص النظامية إلى إجراءات عملية سهلة وواضحة.

ويُعد برنامج جمعيات الملاك من المبادرات التنظيمية المهمة التي أسهمت في تنظيم إدارة العقارات ذات الملكية المشتركة، وتيسير تأسيس الجمعيات، وتمكين الملاك من المشاركة في إدارة ممتلكاتهم، وهو ما يعكس حرص الهيئة العامة للعقار على تطوير هذا القطاع الحيوي وتعزيز ثقافة الإدارة المشتركة.

إلا أن التحول الرقمي بطبيعته مشروع مستمر لا يتوقف عند إطلاق المنصة، وإنما يتطور من خلال الممارسة العملية، وما يرد من ملاحظات وتجارب المستخدمين. فغالبًا ما تكشف التجربة اليومية عن فرص تطوير لا تظهر أثناء مرحلة التصميم، وهو ما يجعل التغذية الراجعة أحد أهم عناصر نجاح أي منصة حكومية.
ومن واقع استخدام برنامج جمعيات الملاك، برزت ملاحظتان أرى أنهما تستحقان الدراسة، ليس بوصفهما أوجه قصور، وإنما باعتبارهما فرصًا لتحسين تجربة المستفيد ورفع كفاءة الإجراءات.

تتمثل الملاحظة الأولى في احتساب أيام الإجازات الرسمية ضمن مدة الترشح لرئاسة الجمعية. فمن الناحية العملية، تؤدي الإجازات إلى تقليص المدة الفعلية التي يستطيع خلالها الملاك الاطلاع على إعلان الترشح، واستكمال المتطلبات، والتنسيق فيما بينهم، خصوصًا عندما تتزامن مدة الترشح مع الإجازات الرسمية أو المواسم التي يقل فيها التفاعل. ومتى كان الهدف من تحديد مدة الترشح هو تمكين الملاك من ممارسة حقهم في المشاركة، فإن الأولى أن تُحتسب المدة بأيام العمل، أو أن تُمدد تلقائيًا بما يعادل أيام الإجازات الرسمية، تحقيقًا للمساواة بين جميع الملاك، وضمانًا لعدالة الفرصة في الترشح والمشاركة.

أما الملاحظة الثانية فتتعلق بعدم الربط الآلي بين صكوك الملكية وجمعيات الملاك القائمة. فمن الطبيعي أن يكون الصك العقاري هو المرجع الرئيس لإثبات صفة المالك، وأن يترتب على ذلك ظهور الجمعية المرتبطة بالعقار تلقائيًا في حسابه داخل المنصة، دون حاجة إلى أي إجراء إضافي. واللافت أن النظام ينجح في إرسال الإشعارات إلى الملاك، مما يدل على توفر البيانات الأساسية اللازمة، وهو ما يجعل استكمال الربط الآلي بين بيانات الملكية والجمعية خطوة منطقية تسهم في تبسيط الإجراءات، وتخفيف الأعباء على المستفيد، والحد من الاستفسارات والدعم الفني.

إن نجاح المنصات الرقمية لا يقاس بعدد الخدمات التي تقدمها، وإنما بقدرتها على اختصار الإجراءات، وتقليل الخطوات، وإزالة التعقيدات التي لا تضيف قيمة للمستخدم. فالتحول الرقمي الحقيقي لا يعني نقل الإجراء الورقي إلى شاشة إلكترونية، وإنما إعادة تصميم الإجراء بما يحقق الكفاءة والسرعة والوضوح.
ومن هذا المنطلق، فإن مراجعة بعض التفاصيل الإجرائية في برنامج جمعيات الملاك تمثل فرصة لتعزيز تجربة المستخدم، ورفع نسبة المشاركة في أعمال الجمعيات، وتحقيق الأهداف التي أنشئت المنصة من أجلها. فالتحسينات الصغيرة في ظاهرها كثيرًا ما تُحدث أثرًا كبيرًا في الواقع، وتنعكس على مستوى رضا المستفيدين وثقتهم بالخدمات المقدمة.

لقد قطعت المملكة شوطًا كبيرًا في مسيرة التحول الرقمي، وأصبحت منصاتها نموذجًا يحتذى به في المنطقة. والمحافظة على هذا التميز تستلزم استمرار التطوير، والاستماع إلى الملاحظات البناءة، وتحويل التجارب العملية إلى فرص للتحسين؛ لأن المنصة الناجحة ليست التي تخلو من الملاحظات، وإنما التي تتطور باستمرار استجابةً لها.
@Dr_alkharji