اكتتابات الشركات العقارية.. هل كانت التقييمات تعكس المخاطر؟

تكرار تداول بعض الأسهم العقارية دون سعر الاكتتاب يثير تساؤلات حول إدراج المخاطر التنظيمية والتمويلية في التقييمات.

مشاريع عقارية

نشر في

شهدت السوق المالية خلال السنوات الماضية طرح عدد من الشركات العقارية للاكتتاب العام، وتفاوت أداء أسهمها بعد الإدراج، بل إن بعض هذه الأسهم أصبح يتداول بأقل من سعر الاكتتاب، ولا يعني انخفاض سعر السهم بعد إدراجه أن الشركة قُيّمت بصورة خاطئة، كما أن ارتفاعه لا يثبت بالضرورة عدالة التقييم؛ فسعر السوق تحكمه عوامل متعددة ومتغيرة. إلا أن تكرار تداول بعض الشركات العقارية دون أسعار طرحها يفتح بابًا مشروعًا لمراجعة مسألة أسبق من حركة السهم نفسها: كيف قُيّمت هذه الشركات؟ وكيف حُددت أسعار طرحها؟ وهل كانت المخاطر المرتبطة بأصولها ونشاطها حاضرة بالقدر الكافي في عملية التقييم والتسعير؟

حصر الأصول العقارية لا يكفي
خصوصية الشركة العقارية تجعل هذا السؤال أكثر أهمية؛ فجزء معتبر من قيمة بعض الشركات قد يقوم على أراضٍ ومشروعات تحت التطوير وأصول يتوقع تحقيق عوائد منها في المستقبل. ومن ثم لا تكون المسألة مجرد حصر للأصول وإسناد قيمة سوقية إليها، وإنما تتعلق أيضًا بالمدة اللازمة لتطويرها، وتكلفة التمويل والاحتفاظ بها، وقدرة الشركة على تحويلها إلى تدفقات نقدية، والقيود والمخاطر التنظيمية التي قد تؤثر في استغلالها.
ورسوم الأراضي البيضاء تقدم مثالًا يستحق التوقف عنده، فهذه الرسوم ليست فكرة تنظيمية ظهرت فجأة، وإنما سياسة قائمة منذ سنوات، تستهدف تحفيز تطوير الأراضي وزيادة المعروض والحد من الاحتفاظ بالأراضي غير المطورة، ولذلك، فإن الشركات العقارية التي دخلت السوق وهي تملك محافظ كبيرة من الأراضي تثير بشأن تقييمها سؤالًا مشروعًا: إلى أي مدى أُخذت تكلفة الاحتفاظ بهذه الأراضي والمخاطر التنظيمية المرتبطة بها في الاعتبار عند تقدير قيمة الشركة وتسعير طرحها؟

هل تنعكس المخاطر على أرقام الإفصاح
وهنا ينبغي التفريق بين ثلاثة أمور قد تبدو متشابهة، لكنها ليست كذلك: الإفصاح عن الخطر، وتقدير أثر الخطر، وإدخال أثره المالي في التقييم.
فقد تتضمن نشرة الإصدار بيانًا عن رسوم الأراضي البيضاء أو احتمال تأثر الشركة بتغير الأنظمة واللوائح، وبذلك يكون المستثمر قد أُبلغ بوجود الخطر. لكن مجرد الإفصاح عنه لا يجيب بالضرورة عن سؤال آخر أكثر أهمية: هل انعكس هذا الخطر على الأرقام والافتراضات التي انتهت إلى القيمة التي طُرحت الشركة على أساسها؟

إذا كانت أرض مملوكة للشركة تدخل في تقييم أصولها بقيمة مرتفعة، ويُفترض استمرار الاحتفاظ بها إلى حين تطويرها أو الاستفادة من ارتفاع قيمتها، فإن تكلفة الاحتفاظ بهذا الأصل ليست مسألة هامشية. فالرسوم قد تؤثر في التدفقات النقدية، وتوقيت التطوير، وجدوى استمرار الاحتفاظ بالأرض، وقد تدفع الشركة إلى تطويرها أو التصرف فيها في توقيت مختلف عن خطتها الأصلية. وهذه كلها عوامل يمكن أن تؤثر في القيمة الاقتصادية للأصل وفي الشركة التي تملكه.
ويزداد السؤال أهمية عندما تكون التوقعات المستقبلية جزءًا مؤثرًا من التقييم. فإذا أُخذ احتمال ارتفاع قيمة الأرض أو نمو إيرادات المشروع في الحسبان، فمن مقتضى التوازن في التقييم أن تؤخذ كذلك المخاطر والتكاليف التي قد تحول دون تحقق تلك التوقعات أو تقلل من العائد الناتج عنها. فلا يستقيم أن تكون التوقعات الإيجابية عنصرًا في بناء القيمة، بينما تبقى المخاطر المقابلة مجرد إفصاح تحذيري منفصل عنها.

عوامل مؤثرة حول الاكتتاب
ولا تقتصر المسألة على رسوم الأراضي البيضاء. فالقطاع العقاري من أكثر القطاعات تأثرًا بالتغيرات التنظيمية والاقتصادية؛ من اشتراطات التطوير والبناء، ومتطلبات البيع على الخارطة، ومدد تنفيذ المشروعات، وتكاليف التمويل، إلى الأنظمة والرسوم التي تؤثر في تكلفة حيازة الأرض وتطويرها. وكلما امتدت الفترة بين تملك الأصل وتحويله إلى مشروع منتج، ازدادت أهمية هذه المتغيرات في تقدير قيمته.

ومن الناحية القانونية والحوكمية، تبرز هنا أهمية التمييز بين مسؤوليات الأطراف المشاركة في الطرح. فقرار الاكتتاب في النهاية قرار المستثمر، وهو يتحمل مخاطر السوق ولا يوجد نظام يضمن له ارتفاع السهم بعد الإدراج. وفي المقابل، فإن هذا القرار يُتخذ اعتمادًا على منظومة من المعلومات والتقييمات والافتراضات تشارك في إعدادها الشركة ومجلس إدارتها وإدارتها التنفيذية والمستشارون والمقيمون وغيرهم، كلٌّ في حدود اختصاصه ومسؤوليته.

الحماية بتقديم معلومات كافية
ولهذا فإن حماية المستثمر لا تعني حمايته من الخسارة، ولا ضمان سعر معين للسهم، وإنما تعني ـ من بين ما تعنيه ـ أن تكون المعلومات الجوهرية المقدمة إليه كافية، وأن تكون الافتراضات التي بنيت عليها التقييمات قابلة للتفسير والمراجعة، وأن تعكس القيمة المقدرة للأصل منافعه المتوقعة ومخاطره المؤثرة معًا.
ومن الخطأ كذلك محاكمة تقييم سابق بمجرد النظر إلى سعر السهم اليوم. فقد يكون التقييم سليمًا وقت إجرائه ثم تتغير أسعار الفائدة أو ظروف التمويل أو الطلب أو الأنظمة أو الظروف الاقتصادية. ولذلك فإن انخفاض سهم شركة عقارية عن سعر اكتتابها لا يصلح وحده دليلاً على وجود خلل في التقييم. لكنه، خصوصًا عندما يتكرر في أكثر من طرح، يصلح سببًا وجيهًا للعودة إلى التقييمات والافتراضات التي بنيت عليها ومقارنتها بما كان معلومًا وقت الطرح.

أسئلة مهمة لمراجعة السوق
وهذه المراجعة مهمة للسوق نفسها؛ لأنها تميز بين المخاطر التي نشأت بعد الطرح ولم يكن من المعقول توقعها، وبين مخاطر كانت قائمة أو معلومة أو يمكن توقعها بصورة معقولة، ثم يُبحث بعد ذلك: كيف ظهرت في التقييم؟ وكيف انعكست على التسعير؟ وهل قُدّر أثرها ماليًا، أم اكتُفي بالإفصاح عنها ضمن قائمة طويلة من عوامل المخاطر؟

السؤال إذن ليس: لماذا انخفض سهم هذه الشركة أو ارتفع سهم تلك؟ وإنما سؤال أكثر اتصالًا بالقانون المالي والحوكمة: هل كان السعر الذي عُرض على المستثمر نتيجة تقييم متوازن بين فرص الأصل ومخاطره؟
ورسوم الأراضي البيضاء ليست سوى نموذج واضح لهذا التساؤل. فإذا كانت السياسة التنظيمية تجاه الأراضي غير المطورة معلومة منذ سنوات، وكانت الأرض تمثل عنصرًا جوهريًا في قيمة بعض الشركات العقارية التي طُرحت للجمهور، فمن المشروع اليوم أن نعود إلى تلك الطروحات ونسأل:
هل انعكست المخاطر التنظيمية وتكلفة الاحتفاظ بالأرض فعليًا في تقييم الشركة وسعر طرحها، أم أن المستثمر عرف بالخطر من نشرة الإصدار بعد أن كانت القيمة قد بُنيت على افتراضات أكثر تفاؤلًا؟
الإجابة عن هذا السؤال لا تهم من اكتتب بالأمس وحده؛ بل تهم جودة التقييم، وكفاءة التسعير، والثقة في الطروحات، وحماية المستثمر في السوق المالية مستقبلًا.
@Dr_alkharji