إعلان
Big 5

حين يقتل النجاح المكان

حي سوهو يوضح كيف يمكن لازدحام الطلب وارتفاع الأسعار أن يطردا صانعي القيمة ويُفرغا المكان من روحه.
مدينة الرياض - المملكة - السعودية - الرياض - العاصمة - العقارات

نشر في

اقتصاد المكان

ليست كل الأماكن التي تموت مهجورة، بعضها يموت وهو في ذروة الازدحام والطلب وارتفاع الأسعار.
حي SoHo في نيويورك يقدم مثالاً لافتاً. في الستينيات، لم يكن الحي الوجهة الراقية التي نعرفها اليوم؛ كانت مبانيه الصناعية القديمة تفقد وظائفها، فوجد فيها الفنانون مساحات واسعة يستطيعون العمل والسكن فيها بتكلفة منخفضة.
تراوحت إيجارات بعض تلك المساحات آنذاك بين 50 و125 دولار شهرياً.
ثم بدأ المكان يتغير.
جاء الفنانون، ثم المعارض، ثم الزوار، ثم المقاهي والمتاجر، ومع كل طبقة جديدة ارتفعت جاذبية الحي وقيمته الاقتصادية. وبحلول 1970 ظهرت إيجارات معلنة بين 300 و400 دولار، وفي 1971 وصلت بعض المساحات إلى 500–800 دولار، ثم تجاوز بعضها 1,000 دولار شهرياً في منتصف السبعينيات.
خلال سنوات قليلة، أصبح النجاح نفسه سبباً في تغيير من يستطيع البقاء في المكان. المفارقة أن الفنانين لم يكتشفوا قيمة عقارية جاهزة؛ بل ساهموا في صناعتها. منحوا المباني المهجورة استخدامًا جديدًا، وصنعوا للحي هوية جذبت الناس ورأس المال.
وحين انعكست هذه الجاذبية على الأسعار، بدأت تدريجياً في إقصاء بعض من صنعوها.
وهنا تكمن مشكلة لا تظهر في جداول التقييم العقاري بسهولة: قد ترتفع قيمة العقار، بينما تنخفض قيمة المكان.

فالحي ليس مبانٍ ومواقع وأسعاراً فقط؛ بل شبكة من الناس والأنشطة والتجارب التي تمنحه سببًا للزيارة والعودة. وإذا رفع النجاح تكلفة البقاء حتى اختفت الأنشطة التي صنعت هذا السبب، فقد نحصل على عقارات أغلى… ومكان أقل حياة.
لذلك، ليس السؤال دائماً: كيف نرفع قيمة المكان؟
السؤال الأصعب هو: كيف نحافظ على أسباب هذه القيمة بعد أن ترتفع؟
أحيانًا لا يفشل المكان لأنه لم ينجح، بل لأنه نجح إلى درجة بدأ معها يستهلك أسباب نجاحه.
[email protected]