يشهد سوق العقارات الصناعية واللوجستية في السعودية مرحلة من النمو المدفوع بتوسع النشاط الصناعي، وارتفاع الطلب على المساحات ذات المواقع الاستراتيجية، إلى جانب التحولات التي طرأت على حركة التجارة الإقليمية. وفي أحدث تقاريرها، ترى شركة «جيه إل إل» أن هذه العوامل تدعم استمرار قوة السوق خلال الفترة المقبلة، مع بقاء مستويات الإشغال مرتفعة في أبرز المراكز الصناعية بالمملكة.
وأوضحت «جيه إل إل»، في تقريرها الصادر بعنوان «ديناميكيات سوق العقارات الصناعية في المملكة العربية السعودية خلال الربع الثاني من عام 2026»، أن قوة ثقة المستثمرين، وإعادة تنظيم مسارات التجارة في المنطقة، إلى جانب التقدم المستمر في مستهدفات رؤية السعودية 2030 لتنويع القاعدة الصناعية، عززت موقع المملكة كمركز لوجستي رئيسي يتمتع بقدرة مرتفعة على مواجهة التحديات.
وأضافت الشركة أن توسع قاعدة المنشآت الصناعية في المملكة انعكس على سوق العقارات الصناعية واللوجستية، الذي يحافظ على معدلات إشغال مرتفعة في الأسواق الرئيسية، بالتزامن مع تنامي أهمية شبكة الموانئ المتعددة في المملكة، التي توفر مرونة أكبر أمام المستأجرين وتساعدهم على الحد من المخاطر المرتبطة بالاضطرابات الإقليمية.
توسع القاعدة الصناعية يعزز الطلب على العقارات
وقال سعود السليماني، المدير التنفيذي ورئيس قسم أسواق رأس المال في «جيه إل إل» المملكة العربية السعودية، إن قدرة قطاع الخدمات اللوجستية في المملكة على التكيف ومواجهة المتغيرات، مدعومة بالتوجهات الوطنية والاستثمارات الاستراتيجية في البنية التحتية للموانئ، أسهمت في تعزيز موقع السعودية كمركز عالمي للتجارة، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية 2030.
وأشار السليماني إلى أن مجموعة من العوامل الهيكلية تواصل دعم الطلب على العقارات الصناعية واللوجستية، وفي مقدمتها زيادة الطاقة الاستيعابية للموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر، الأمر الذي يساعد على بناء بيئة استثمارية أكثر استقراراً وجاذبية للنمو.
وأوضح أن هذه العوامل تعزز الطلب على المساحات اللوجستية عالية الجودة والمواقع الاستراتيجية، حتى مع استمرار حالة عدم اليقين التي تحيط بالاقتصاد الكلي.
ويأتي نمو الطلب بالتزامن مع توسع عدد المنشآت الصناعية في المملكة، إذ ارتفع عددها خلال الربع الثاني من عام 2026 إلى نحو 13.66 ألف منشأة، مقابل نحو 12.29 ألف منشأة خلال الفترة نفسها من العام السابق. وترى «جيه إل إل» أن هذا التوسع يعكس تقدماً ملموساً في مسار تحقيق مستهدفات رؤية 2030، كما يخلق طلباً إضافياً على العقارات الصناعية، سواء من خلال تجديد عقود الإيجار القائمة أو عبر دخول مستأجرين جدد إلى السوق.
إشغال يتجاوز 90% في الرياض وجدة والدمام
وعلى مستوى أبرز الأسواق الصناعية في المملكة، حافظت الرياض وجدة وحاضرة الدمام الكبرى على معدلات إشغال تجاوزت 90% خلال الربع الثاني من العام الجاري.
وبحسب «جيه إل إل»، يعكس استمرار هذه المستويات المرتفعة قوة الطلب من جانب المستأجرين، كما يكشف عن فجوة هيكلية لا تزال قائمة بين المعروض والطلب في هذه الأسواق.
ولم تقتصر قوة الطلب على الإشغال، بل انعكست أيضاً على مستويات الإيجارات، التي واصلت ارتفاعها في الرياض وجدة وحاضرة الدمام، مدفوعة بمحدودية المعروض من العقارات الصناعية من الفئة «أ» في مقابل استمرار نمو الطلب.
وسجلت جدة، التي تمثل البوابة الغربية الرئيسية للمملكة، ارتفاعاً في متوسط الإيجارات بنسبة 4.8%، بينما ارتفع متوسط الإيجارات في الرياض بنسبة 3.9%. وفي حاضرة الدمام، كان نمو الإيجارات هو الأعلى بين الأسواق الرئيسية، بعدما ارتفع متوسط الإيجارات بنسبة 6.9%. أما على مستوى أعلى مستويات الإيجار، فسجل مجمع مدينة البوابة الصناعية أعلى معدل، عند 300 ريال سعودي للمتر المربع سنوياً.
وترى «جيه إل إل» أن استمرار ارتفاع الإيجارات في هذه الأسواق يعكس قوة الطلب على العقارات الصناعية عالية الجودة، في وقت لا يزال فيه المعروض المتاح محدوداً، وهو ما ساعد السوق على الحفاظ على زخمه رغم التوترات الجيوسياسية في المنطقة.
اضطرابات المنطقة تعيد رسم حركة الشحن
وشهد الربع الثاني من العام تحولاً في أنماط الطلب على الخدمات اللوجستية، مع إعادة توجيه جزء من حركة الشحن نحو الموانئ السعودية الواقعة على الساحل الغربي، نتيجة الاضطرابات التي شهدتها المنطقة.
وبرز ميناء جدة الإسلامي وميناء الملك عبدالله في رابغ ضمن المراكز التي استفادت من هذا التحول في مسارات الشحن، بما يعزز أهمية الساحل الغربي للمملكة في حركة التجارة الإقليمية.
وتزامن ذلك مع إطلاق شركة البحر الأبيض المتوسط للملاحة «MSC» خدمتها الجديدة «إكسبريس الشرق الأوسط»، التي توفر خط شحن مباشراً من أوروبا إلى المراكز التجارية الرئيسية على البحر الأحمر.
وترى «جيه إل إل» أن هذه التطورات تعكس الدور المتزايد الذي تلعبه الموانئ السعودية في التعامل مع التحولات التي تشهدها حركة التجارة العالمية. وعلى المدى القصير، توقعت الشركة أن تؤدي الاضطرابات الأخيرة في عمليات الموانئ إلى استمرار ارتفاع تكاليف الشحن، إلا أنها ترى أن تداعيات هذه التطورات على المدى الطويل قد تكون أكثر إيجابية بالنسبة إلى المملكة، من خلال تعزيز موقعها كبديل لوجستي موثوق في المنطقة.
موانئ الساحل الغربي مرشحة للحفاظ على تدفقات التجارة
وأفادت «جيه إل إل» بأن الموانئ الواقعة على الساحل الغربي للمملكة من المرجح أن تحتفظ بحصة مستدامة من التدفقات التجارية التي جرى تحويل مساراتها، ما يدعم استمرار توسع دورها كمحور رئيسي للحركة اللوجستية.
ولا تربط الشركة هذا الدور بالتطورات الإقليمية الحالية فقط، إذ ترى أن مكانة هذه الموانئ قد تستمر حتى مع تغير الظروف الجيوسياسية مستقبلاً، في ظل ما توفره من قدرات وبنية تحتية تخدم حركة التجارة.
ويأتي ذلك في وقت يبحث فيه المستأجرون عن قدر أكبر من المرونة في سلاسل الإمداد وتقليل المخاطر التشغيلية، وهو ما يضيف عاملاً جديداً لدعم الطلب على العقارات الصناعية واللوجستية القريبة من مراكز النقل والموانئ.
توقعات باستمرار قوة سوق العقارات الصناعية
وبالنظر إلى الفترة المقبلة، تتوقع «جيه إل إل» أن تحافظ الأسواق الصناعية الرئيسية في المملكة على مستويات إشغال مرتفعة خلال المدى القصير إلى المتوسط.
وأشارت الشركة إلى أن دخول معروض جديد إلى السوق قد يوفر انفراجة محدودة في بعض الأسواق الفرعية، إلا أنها لا تتوقع حدوث تحول جوهري في ميزان السوق خلال الفترة القريبة. وبحسب تقديرات «جيه إل إل»، من المرجح أن يبقى السوق في وضع يميل لمصلحة المؤجرين على المدى القريب، في ظل استمرار الطلب المرتفع مقارنة بالمعروض المتاح من العقارات الصناعية ذات الجودة والمواقع الاستراتيجية.
وتشير الصورة التي يرسمها التقرير إلى أن توسع النشاط الصناعي، وارتفاع أعداد المنشآت، وقوة الطلب اللوجستي، إلى جانب الدور المتنامي للموانئ السعودية في حركة التجارة، تشكل مجتمعة عوامل داعمة لاستمرار قوة سوق العقارات الصناعية في المملكة. وتُعد «جيه إل إل» شركة مدرجة في بورصة نيويورك، ومن الشركات العالمية الرائدة في مجال الخدمات العقارية التجارية وإدارة الاستثمارات، بإيرادات سنوية تبلغ 26.1 مليار دولار، وتعمل في أكثر من 80 دولة.








