قد يشتري الإنسان منزلًا أنفق فيه مدخرات سنوات طويلة، ويتسلم مفاتيحه مطمئنًا إلى سلامة البناء وجودة التنفيذ، ثم لا تمضي أشهر حتى تبدأ التشققات بالظهور، وتتسرب المياه من الأسقف والجدران، وتتكشف عيوب لم تكن ظاهرة عند المعاينة أو الاستلام. وحين يعود إلى البائع أو المطور مطالبًا بالإصلاح، قد يفاجأ بالرد المعتاد: لقد عاينت العقار واستلمته ووقّعت على سلامته.
وهنا تبدأ مشكلة قانونية قد تكون أشد أثرًا من العيب نفسه؛ فالمشتري لا يواجه تكلفة الإصلاح وحدها، بل قد يواجه خطر فوات المدة النظامية للمطالبة، أو صعوبة إثبات أن العيب كان موجودًا في أصله قبل التسليم، أو الاحتجاج عليه بشروط تعاقدية لم يدرك آثارها عند التوقيع.
والأصل أن استلام العقار لا يعني بالضرورة سقوط حقوق المشتري في العيوب الخفية؛ إذ يميز النظام بين العيب الظاهر الذي يستطيع المشتري اكتشافه بالفحص المعتاد، والعيب الخفي الذي لا يتبين إلا بعد الاستعمال أو الفحص الفني المتخصص. كما أن مسؤولية البائع لا تتوقف على علمه بالعيب، وإنما تقوم متى تحققت شروط الضمان المقررة نظامًا.
المادة (338) من نظام المعاملات المدنية
وقد قررت المادة (338) من نظام المعاملات المدنية ضمان البائع للعيب الذي ينقص من قيمة المبيع أو من نفعه بحسب الغاية المقصودة منه، وأجازت للمشتري، عند تحقق شروط الضمان، طلب فسخ البيع أو إمساك المبيع والرجوع بفرق الثمن، مع إمكان المطالبة بالتعويض عما يلحقه من ضرر متى توافرت موجباته.
غير أن ثبوت العيب لا يكفي وحده لكسب النزاع؛ فهناك فرق بين عيب يرجع إلى خلل سابق في البناء، وآخر نشأ بعد التسليم نتيجة سوء الاستعمال أو إهمال الصيانة. ولذلك قد يكون التقرير الهندسي المتخصص هو الدليل الأهم في القضية، ليس لمجرد تقدير تكلفة الإصلاح، وإنما لتحديد طبيعة العيب وسببه وتاريخ نشوئه ومدى تأثيره في سلامة العقار وقيمته.
وتبرز هنا مسألة يغفل عنها كثير من المشترين، وهي المدة النظامية للمطالبة. فقد نصت المادة (344) من نظام المعاملات المدنية على عدم سماع دعوى ضمان العيب بانقضاء مائة وثمانين يومًا من تاريخ تسليم المبيع، ما لم يلتزم البائع بالضمان مدة أطول. كما قررت عدم جواز تمسك البائع بهذه المدة إذا ثبت أن إخفاء العيب كان بغش منه.
وهذا النص بالغ الأهمية؛ لأن المدة تبدأ من تاريخ التسليم، لا من تاريخ اكتشاف العيب، في نطاق تطبيق هذا الحكم. وقد يظل المشتري منشغلًا بالمراسلات والوعود المتكررة بالإصلاح، حتى يفاجأ بأن التأخر في اتخاذ الإجراء المناسب أصبح عقبة أمام دعواه. ولذلك لا ينبغي اعتبار المفاوضات الودية بديلًا عن المحافظة على المدد النظامية.
كذلك أوجبت المادة (340) على المشتري التحقق من حالة المبيع وفق المألوف في التعامل، وإبلاغ البائع بالعيب الذي يضمنه خلال مدة معقولة، أما العيب الذي لا يمكن كشفه بالفحص المعتاد، فيجب الإبلاغ عنه بمجرد ظهوره. ومن ثم فإن توثيق تاريخ اكتشاف العيب وإشعار البائع كتابة ليس مجرد إجراء احتياطي، بل قد يكون عنصرًا مؤثرًا في تحديد المركز القانوني للمشتري.
ولا يعني ذلك أن مدة المائة والثمانين يومًا تحكم جميع المنازعات المتعلقة بعيوب المباني؛ فالعقارات تختلف في طبيعة عقودها والضمانات التي تخضع لها. فبيع عقار قائم يختلف عن التعاقد على إنشائه، كما يختلف عن شراء وحدة ضمن مشروع بيع على الخارطة، وقد تنشأ عن كل علاقة التزامات وضمانات خاصة، فضلًا عن الأحكام المتعلقة بضمان سلامة المباني والإنشاءات متى تحققت شروط تطبيقها.
وفي مشروعات البيع على الخارطة، وضع المنظم وسائل إضافية لحماية المشترين؛ إذ أوجب الاحتفاظ بنسبة من تكلفة الإنشاءات في حساب الضمان أو تقديم ضمان بنكي وفق الأحكام النظامية. وأجازت اللائحة التنفيذية، عند ثبوت عيوب في الإنشاءات أو التشطيب بتقرير من خبير مرخص نظامًا، اتخاذ إجراءات لإصلاحها، بما في ذلك الاستفادة من المبلغ المحتفظ به أو الضمان البنكي وفق الضوابط المقررة. وهذه حماية تنظيمية مهمة، لكنها لا تعني أن جميع العيوب تخضع لمدة ضمان واحدة، أو أن كل مطالبة تتبع الإجراءات ذاتها.
ومن الأخطاء التي قد تضعف موقف المشتري المبادرة إلى إصلاح العيوب على نفقته دون توثيق حالتها وأسبابها، أو الاكتفاء بصور ومراسلات لا تثبت مصدر الخلل، أو توجيه المطالبة إلى طرف لا تقوم مسؤوليته على أساس صحيح. فالمطور والبائع والمقاول والمصمم والمشرف قد تختلف مراكزهم القانونية، ولا يكفي اشتراكهم في المشروع لإثبات مسؤوليتهم جميعًا عن الضرر ذاته.
والتعامل القانوني السليم يبدأ بمراجعة العقد والمخططات والمواصفات ومحضر الاستلام، ثم إثبات العيب بواسطة مختص، وإشعار الطرف المسؤول، وتحديد الضمان الواجب التطبيق ومدته، واختيار المطالبة المناسبة، سواء تعلقت بالفسخ أو فرق الثمن أو الإصلاح أو التعويض، بحسب طبيعة الالتزام والضرر وأحكام النظام.
ولا يصح كذلك التسليم بأن كل شرط يعفي البائع من الضمان باطل، أو أن كل توقيع على محضر الاستلام يسقط المطالبة؛ فقد أجاز النظام الاتفاق على تعديل ضمان العيب في حدود معينة، مع حماية المشتري من الإخفاء المتعمد. ومن هنا تتجلى أهمية القراءة القانونية للعقد والوقائع معًا، بعيدًا عن الأحكام العامة التي قد تضر بصاحب الحق أكثر مما تنفعه.
إن حماية المشتري لا تبدأ عند إقامة الدعوى، بل تبدأ منذ تحرير العقد، وتستمر عند المعاينة والاستلام، ثم عند ظهور أول مؤشر على وجود خلل في البناء. فالعقار قد يكون أكبر استثمار في حياة صاحبه، ومن غير المقبول أن تضيع حقوقه بسبب الجهل بالضمانات أو التأخر في استعمالها.
فالعيب الخفي قد لا يظهر عند استلام العقار، ولكن الخطر الأكبر أن يظهر الحق بعد فوات موعد المطالبة به.
@Dr_alkharji







