برج جدة.. حكاية ناطحة سحاب قررت كسر حاجز الكيلومتر

مشروع سعودي عملاق يعود للبناء بعد توقف طويل، مستهدفًا تجاوز 1000 متر ودخول تاريخ الهندسة بأطول برج في العالم.

نشر في

في شمال جدة، وعلى مقربة من ساحل البحر الأحمر، يرتفع مشروع لا يكتفي بمنافسة ناطحات السحاب على القمة، بل يسعى إلى تجاوز الحد الذي ظل لعقود يبدو أقرب إلى الخيال الهندسي: ارتفاع يتخطى ألف متر. إنه برج جدة، المشروع الذي بدأ بوصفه طموحًا معماريًا استثنائيًا، ثم تحول إلى واحدة من أكثر قصص البناء العملاق تعقيدًا في المنطقة، بعدما اصطدم بتوقف طويل قبل أن يعود إلى التنفيذ ويستعيد موقعه في سباق الأبراج العالمية.

من فكرة عالمية إلى مشروع سعودي

تعود الجذور المعمارية للفكرة إلى عام 2009، عندما بدأت شركة أدريان سميث وغوردون غيل للهندسة المعمارية دراسة تصورات لمبنى استثنائي الارتفاع، وكان الهدف تطوير نموذج يتجاوز حدود الأبراج المعروفة، ويختبر إمكانات البناء على ارتفاع غير مسبوق، بما يتطلبه ذلك من حلول إنشائية وأنظمة نقل رأسي وتصميم قادر على التعامل مع الرياح والأحمال، وفي أغسطس 2011، تم الإعلان رسميًا عن المشروع اسم «برج المملكة»، قبل أن يُعرف لاحقًا باسم «برج جدة». 

منذ البداية، ارتبط المشروع باسم الأمير الوليد بن طلال، رئيس مجلس إدارة شركة المملكة القابضة، وبشركة جدة الاقتصادية التي تتولى تطوير البرج، وكان التصور أن يصبح المبنى محورًا لمشروع جدة الاقتصادية، بما يضمه من استخدامات سكنية وتجارية وفندقية، وما يمكن أن يستقطبه من أعمال واستثمارات وزوار.

تولت شركة «أدريان سميث وغوردون غيل» تصميم البرج، وهي الشركة المرتبطة أيضًا بتصميم برج خليفة عندما كان أدريان سميث يعمل في شركة «سكيدمور وأوينغز وميريل»، وتولى مكتب «ثورنتون توماسيتي» أعمال التصميم الإنشائي، ضمن فريق يضم شركات استشارية متخصصة في الجوانب الجيوتقنية والهندسية وأنظمة المباني.

التصميم.. لماذا يحتاج البرج إلى هندسة مختلفة؟

صُمم البرج ليتجاوز ارتفاعه 1000 متر، بمساحة مبنية إجمالية تقارب 530 ألف متر مربع، وتستهدف كتلته المعمارية النحيلة والمتدرجة تقليل تأثير الرياح، فيما تتضمن واجهاته انحناءات وتراجعات تخلق مناطق ظل وشرفات خارجية على مستويات مختلفة.

وتنبع صعوبة هذا التصميم من أن التحدي لا يتمثل في رفع المبنى إلى ارتفاع كبير فقط، بل في ضمان استقرار الهيكل، ونقل الأحمال إلى الأساسات، والتحكم في الاهتزازات، وتوفير بيئة داخلية قابلة للاستخدام اليومي، مع تأمين حركة آلاف الأشخاص بين مئات المستويات.

وتزداد الصعوبة كلما ارتفع البرج، فعملية ضخ الخرسانة إلى مستويات شاهقة تحتاج إلى معدات وأنظمة ضغط ومراقبة دقيقة لجودة الخلطة وزمن نقلها وخصائصها، كما أن التنفيذ على هذا الارتفاع يفرض تحديات تتعلق بالسلامة، وسرعة نقل العمال والمعدات، وتزامن أعمال الهيكل مع التركيبات الكهربائية والميكانيكية والواجهات.

وتشير البيانات التي نشرتها الشركة المطورة في عرض نتائجها خلال عام 2026 إلى أن كميات الخرسانة المصبوبة تجاوزت 274 ألف متر مكعب في أبريل، قبل أن ترتفع إلى أكثر من 300 ألف متر مكعب في تحديث الربع الثاني من العام، بما يعكس حجم العمل المنجز في الهيكل الخرساني.

أين وصل البرج الآن؟

بدأت أعمال إنشاء البرج في عام 2013، بعد سنوات من التصور والتخطيط والتصميم. وفي تلك المرحلة، كان المشروع يُقدَّم بوصفه منافسًا مباشرًا على لقب أطول مبنى في العالم، مع طموح تجاوز ارتفاع برج خليفة في دبي، الذي يبلغ 828 مترًا.

بحلول عام 2018، كانت أعمال البرج قد توقفت عند 63 طابقًا من أصل 157 طابقًا في المخطط الذي نشرته الشركة المطورة، ولم يكن التوقف مجرد تأخير قصير في جدول البناء، بل امتد لسنوات، وفي 2 أكتوبر 2024، أعلنت شركة المملكة القابضة أن شركة جدة الاقتصادية وقعت اتفاقًا مع مجموعة بن لادن السعودية لاستكمال أعمال بناء البرج. وبحسب الإعلان الرسمي، بلغت القيمة الإجمالية للاتفاق 7.2 مليار ريال، منها نحو 1.1 مليار ريال سبق دفعها مقابل أعمال منفذة على البرج، وحدد الإعلان فترة تنفيذ متوقعة تبلغ 42 شهرًا، على أن تموّل شركة جدة الاقتصادية الأعمال المتبقية من خلال مصادرها الداخلية، بما في ذلك التسهيلات المصرفية.

في 20 يناير 2025، أُعلن استئناف أعمال الإنشاء وصب الخرسانة، لتبدأ مرحلة جديدة من الصعود بعد سنوات من التوقف، وأصبح التقدم في عدد الطوابق مؤشرًا رئيسيًا على عودة المشروع إلى مساره التنفيذي، وفي هذا التوقيت كان الهيكل عند نحو 63 طابقًا.

وفي مارس 2026، أفادت شركة المملكة القابضة بأن البرج وصل إلى الطابق 91، بارتفاع يقارب 370 مترًا، مع تنفيذ الواجهات وأعمال الأنظمة الميكانيكية والكهربائية والصحية، ثم أظهرت بيانات لاحقة خلال 2026 أن البناء تجاوز حاجز الـ 100 طابق.

في أكتوبر 2026، وصل برج جدة إلى الطابق 116، بارتفاع يقارب 466 مترًا، وفق تصريحات صحيفة أدلى بها الرئيس التنفيذي لشركة جدة الاقتصادية فابيان توسكانو، وبذلك أصبح البرج أعلى من أبراج بتروناس في ماليزيا، التي يبلغ ارتفاعها 452 مترًا.

1000 متر.. ماذا تعني المنافسة مع برج خليفة؟

يبلغ ارتفاع برج خليفة في دبي 828 مترًا، وهو الرقم الذي رسخ مكانته بوصفه أطول مبنى في العالم منذ افتتاحه عام 2010، أما برج جدة، فيستهدف تجاوز حاجز الألف متر، مع ارتفاع معماري مخطط يقترب من 1008 أمتار وفق تقارير المشروع، وإذا تحقق الارتفاع المستهدف، فسيزيد البرج على ارتفاع برج خليفة بنحو 180 مترًا، أي إنه لن يحقق تفوقًا رمزيًا محدودًا، بل سينقل المنافسة إلى مستوى جديد من البناء العمودي.

كم تبلغ تكلفة برج جدة؟

هنا يجب الفصل بين 3 أرقام مختلفة ، كثيرًا ما تختلط في التغطيات الإعلامية. الأول هو تقدير قديم منشور لدى المكتب المعماري وشركة «ثورنتون توماسيتي»، يضع تكلفة إنشاء البرج عند نحو 1.2 مليار دولار، وهذا تقدير مرتبط بالبيانات المنشورة عن المشروع، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره التكلفة النهائية المؤكدة بعد سنوات من التوقف واستئناف البناء وتغير ظروف السوق.

الثاني هو قيمة اتفاق استكمال أعمال البرج الذي أعلنته شركة المملكة القابضة في أكتوبر 2024، والبالغة 7.2 مليار ريال، أي ما يعادل نحو 1.92 مليار دولار ، ويتضمن الرقم نحو 1.1 مليار ريال سبق دفعها مقابل أعمال منفذة، أما الرقم الثالث فيرتبط بالمشروع العمراني الأوسع الذي يحتضن البرج، وتذكر البيانات المعمارية تقديرًا يقارب 20 مليار دولار لتطوير المدينة أو المشروع متعدد الاستخدامات المحيط به، وهو نطاق مختلف عن تكلفة تشييد البرج نفسه.

جدة الاقتصادية.. ما وراء المبنى العملاق

يمثل البرج العنصر الأبرز في مشروع جدة الاقتصادية، الذي تتحدث بياناته عن مساحة إجمالية تقارب 5.3 مليون متر مربع، ويستهدف المشروع إقامة وجهة حضرية تضم أنشطة سكنية وتجارية ومكتبية ومرافق عامة، بما يربط البرج بنسيج عمراني أوسع.

وأعلنت شركة المملكة القابضة في أكتوبر 2024 أن المرحلة الأولى من مشروع جدة الاقتصادية تبلغ نحو 1.3 مليون متر مربع، وأن أعمال البنية التحتية لهذه المرحلة قد نُفذت، بما يشمل الكهرباء والمياه والصرف الصحي وتصريف مياه السيول والاتصالات عالية السرعة.

وتكتسب هذه البنية أهمية تتجاوز خدمة البرج، لأن نجاح الوجهة يتطلب شبكة طرق وخدمات ومرافق قادرة على استيعاب حركة السكان والعاملين والزوار، مع توفير بيئة حضرية تستمر في العمل بعد انتهاء مرحلة البناء.

متى يكتمل برج جدة؟

تتجه التوقعات إلى استكمال البناء في عام 2028، وكان الرئيس التنفيذي لشركة المملكة القابضة طلال الميمان قد تحدث في يناير 2026 عن توقع اكتمال المشروع خلال ذلك العام، كما نقلت تقارير أخرى عن الرئيس التنفيذي لشركة جدة الاقتصادية استهداف الاستكمال في أواخر 2028.

إقرأ أيضًا:

بوابة الملك سلمان.. تحفة معمارية تزين منارات مكة المكرمة