تحويل المكاتب إلى سكن: الحل الذي لا يريد أحد أن يتحدث عنه!

بين وفرة الطلب السكني وشواغر المكاتب القديمة، يختبر العالم التحويل كحل عقاري تصطدم جدواه في السعودية بعوائق تنظيمية وهندسية.
Real Estate Deals - Real Estate Brokerage - Real Estate Marketing

Posted in

في قلب مانهاتن، يجري الآن تحويل المقر الرئيسي السابق لشركة “فايزر ” (Pfizer) إلى 1,600 شقة سكنية، في أكبر مشروع من نوعه في تاريخ الولايات المتحدة، وفي لندن، تم تحويل أكثر من 100 ألف مساحة مكتبية إلى منازل خلال العقد الماضي. عالمياً، أصبح تحويل المباني المكتبية القديمة إلى شقق سكنية (Office-to-Residential Conversion)  هو الحل السحري المزدوج: إنقاذ الأصول المكتبية المتعثرة، وتوفير وحدات سكنية في قلب المدن المكتظة.

لكن عندما ننظر إلى السوق السعودي، نجد صمتاً مطبقاً حول هذا الحل. في الرياض وجدة، تقف العديد من المباني المكتبية القديمة (من الفئتين B و C في الشوارع التجارية الرئيسية بنسب إشغال متدنية، بينما تشهد نفس المدن طلباً هائلاً على السكن. لماذا لا نتحدث عن هذا الحل؟ هل هو مجدٍ اقتصادياً؟ وما هي التحديات الهندسية والتنظيمية التي تمنعنا من استنساخ التجربة العالمية؟
في هذا التحقيق، نفتح ملف “التحويل” ونقرأ الأرقام والتحديات، لنكتشف ما إذا كان هذا هو مستقبل المباني المكتبية القديمة في السعودية.

الأرقام تتحدث: لماذا التحويل الآن؟
لفهم الدوافع وراء هذا التوجه العالمي، يجب أن ننظر إلى الأرقام. بعد جائحة كوفيد-19 وتغير أنماط العمل، ارتفعت نسب الشواغر المكتبية عالمياً. في المقابل، تعاني المدن الكبرى من أزمة إسكان خانقة.
في الولايات المتحدة، تقدر شركة CBRE أن هناك 10.3 مليون قدم مربع من التحويلات جارية أو مخطط لها في نيويورك وحدها. وفي بريطانيا، شكلت المكاتب المحولة 86.7% من إجمالي المنازل الجديدة الناتجة عن تغيير الاستخدام بين عامي 2015 و2023.


الفئة (A) إشغال بالكامل
أما في السعودية، فالصورة تبدو مختلفة للوهلة الأولى، تقارير  JLL   للربع الثاني من 2025 تشير إلى نسب إشغال شبه كاملة للمكاتب الفاخرة (Prime) والفئة (A) في الرياض، حيث بلغت نسبة الشواغر 0.5% و 3.8% على التوالي.

لكن القصة الحقيقية تكمن في التفاصيل. ماذا عن المباني القديمة؟
في الدمام، تبلغ نسبة الشواغر في مكاتب الفئة (B) حوالي 21.4% وفي الرياض وجدة، هناك مبانٍ مكتبية قديمة في الشوارع التجارية (مثل طريق الملك فهد القديم، وشارع التحلية) تعاني من تقادم مرافقها وعدم قدرتها على منافسة الأبراج الحديثة مثل مركز الملك عبدالله المالي (KAFD). هذه المباني هي المرشح الأول للتحويل.

المفارقة الهندسية: ما يجعل المكتب سيئاً يجعله سكناً ممتازاً!
قد يعتقد البعض أن تحويل مكتب إلى شقة هو مجرد بناء بعض الجدران الداخلية. الحقيقة أن التحدي الهندسي هو العائق الأكبر، لكنه يحمل مفارقة مدهشة.
قامت شركة الهندسة المعمارية العالمية Gensler بتقييم أكثر من 1,300 مبنى مكتبي في أمريكا الشمالية لمعرفة مدى قابليتها للتحويل. النتيجة؟ 25% فقط من المباني صالحة للتحويل.

لكن الاكتشاف الأهم كان أن “العيوب” التي تجعل المبنى المكتبي غير مرغوب فيه اليوم، هي ذاتها التي تجعله مشروعاً سكنياً مثالياً.
يقول التقرير: “ارتفاع الطابق من الأرض للسقف في مباني الفئة   C القديمة يبلغ عادة 12 قدماً. هذا الارتفاع يعتبر منخفضاً جداً ومكتوماً لمكتب حديث (بعد تركيب التكييف المركزي والأسقف المستعارة يتبقى 8 أقدام فقط). لكن بمجرد إزالة هذه التمديدات، تحصل على شقة سكنية بارتفاع 11 قدماً، وهو ما يعتبر ارتفاعاً فاخراً جداً في عالم السكن!”

التحديات الهندسية الخمسة الكبرى:
1- عمق الطابق (Floor Plate Depth): المكاتب مصممة لتكون عميقة جداً، بينما الشقق تحتاج إلى نوافذ وإضاءة طبيعية في كل غرفة. المباني العميقة جداً تترك مساحات مظلمة في المنتصف لا تصلح للسكن.
2- السباكة (Plumbing): المكاتب تحتوي على حمامات مركزية مجمعة في منطقة واحدة. تحويلها لسكن يعني الحاجة لتمديد سباكة لكل شقة (حمام ومطبخ)، مما يتطلب ثقب الأرضيات الخرسانية بشكل مكثف.
3- النوافذ: النوافذ المكتبية غالباً لا تفتح، وتصميمها لا يوفر الخصوصية المطلوبة للسكن.
4- المرافق: المباني السكنية الحديثة تتطلب صالات رياضية، مسابح، ومساحات مشتركة، وهي غير متوفرة في المكاتب القديمة.
5- الهيكل الإنشائي: شبكة الأعمدة في المكاتب قد تتعارض مع التقسيم الأمثل للشقق.

    المباني الأفضل للتحويل هي تلك التي بنيت قبل منتصف التسعينات، حيث كانت مساحات الطوابق أصغر، والنوافذ قابلة للفتح، والأسقف أقل ارتفاعاً.

    الجدوى الاقتصادية: هل تستحق العناء؟
    التحدي الهندسي يمكن حله بالمال، لكن هل الأرقام منطقية؟
    تكلفة تحويل مبنى مكتبي إلى سكني تتراوح عالمياً بين 80 إلى 220 دولاراً للقدم المربع (أي ما يعادل 3,200 إلى 8,900 ريال للمتر المربع)، اعتماداً على حالة المبنى وحجم التعديلات الهيكلية المطلوبة.
    ورغم هذه التكلفة العالية، إلا أن التحويل يوفر حوالي 30% من تكلفة البناء الجديد من الصفر، ويوفر الكثير من الوقت (18-24 شهراً للتحويل مقابل 30 شهراً للبناء الجديد).
    الأهم من تكلفة البناء هو “العائد على التقييم”. تشير تقارير  Platinum Capital إلى أن المباني المكتبية المتعثرة التي يتم تحويلها بنجاح في مواقع مميزة، تشهد قفزة في التقييم تتراوح بين 30% إلى 60% مقارنة بقيمتها كمكاتب .

    دور التشريعات: الحل السحري في لندن
    إذا كانت الجدوى الاقتصادية موجودة، فلماذا لا نرى هذه المشاريع بكثرة؟ الجواب يكمن في “التشريعات”.
    دراسة حديثة لمعهد Brookings شملت 18 مبنى في 6 مدن أمريكية، خلصت إلى نتيجة صادمة: في 5 من أصل 6 أسواق، لا يوجد أي مشروع تحويل مجدٍ اقتصادياً بدون تدخل أو دعم حكومي.
    في المقابل، نجحت لندن في خلق طفرة في التحويلات بفضل تشريع ذكي يُعرف بـ (Permitted Development Rights – PDR). هذا التشريع يسمح لملاك العقارات بتغيير استخدام المبنى من تجاري إلى سكني دون الحاجة للمرور بإجراءات التخطيط المعقدة والطويلة، مما قلل المخاطر وسرّع وتيرة الاستثمار.

    في السعودية، تغيير استخدام العقار من تجاري/مكتبي إلى سكني يتطلب موافقات من الأمانات والبلديات والدفاع المدني، وتطبيق كود البناء السعودي المخصص للسكن على مبنى صُمم أصلاً كمكتب. هذه التعقيدات التنظيمية تجعل المطورين يفضلون هدم المبنى وبنائه من جديد، أو تركه فارغاً، بدلاً من الدخول في متاهة التحويل.

    التجارب العالمية: من نيويورك إلى كالجاري
    لا يمكن الحديث عن التحويل دون استعراض التجارب الناجحة حول العالم.
    في نيويورك، يوجد حالياً 44 مشروع تحويل مكتبي قيد التنفيذ أو التخطيط، بإجمالي 15.2 مليون قدم مربع، ستنتج أكثر من 20,000 وحدة سكنية (3). أبرزها مشروع تحويل مقر فايزر السابق في شارع 42 إلى 1,600 شقة، ومشروع 25 Water Street الذي سيوفر 1,300 وحدة.
    في لندن، أنتج نظام PDR أكثر من 121,000 شقة من مكاتب محولة منذ 2013. وفي عام 2024 وحده، تم تقديم 3,272 طلب تحويل جديد .(2
    أما في كالجاري (كندا)، فقد قدمت الحكومة المحلية برنامج حوافز مالية مباشرة بقيمة 75 دولاراً للقدم المربع لكل مطور يحول مكتباً إلى سكن. النتيجة: 15 مشروعاً وزيادة 24% في الوحدات السكنية وسط المدينة.

    الفرصة السعودية: رأس المال الأجنبي والمناطق الثانوية
    في 22 يناير 2026، اتخذت السعودية خطوة تاريخية بفتح 170 منطقة للمستثمرين الأجانب غير المقيمين. وتشير تقديرات Knight Frank  إلى وجود 6.3 مليار دولار من رأس المال العالمي تنتظر الدخول للسوق السعودي .
    هذا الرأس المال الذكي لا يبحث عن شراء مكاتب قديمة من الفئة C بعوائد متدنية. إنه يبحث عن فرص “إعادة التموضع” (Repositioning).

    المباني المكتبية القديمة في الشوارع التجارية الثانوية في الرياض وجدة، والتي فقدت بريقها لصالح المشاريع الكبرى، تمثل فرصة ذهبية. تحويل هذه المباني إلى شقق سكنية حديثة (Lofts) أو شقق فندقية مخدومة، سيوفر منتجاً عقارياً فريداً يلبي طلب فئة الشباب والمغتربين الذين يفضلون السكن في قلب المدينة المكتظ بالخدمات.
    علاوة على ذلك، التحويل يعتبر خياراً صديقاً للبيئة، حيث يحافظ على “الكربون المتجسد” (Embodied Carbon) في الهيكل الخرساني القائم بدلاً من هدمه وإعادة بنائه، وهو ما يتماشى مع أهداف الاستدامة لرؤية 2030.

    الخلاصة: متى نبدأ الحديث؟
    تحويل المكاتب إلى سكن ليس حلاً سحرياً لكل مبنى فارغ
    . التحديات الهندسية حقيقية، والتكاليف مرتفعة. لكنه أداة استراتيجية أثبتت نجاحها عالمياً في إعادة إحياء الأصول الميتة وتوفير السكن في قلب المدن.
    لكي نرى هذا الحل واقعاً في السوق السعودي، نحتاج إلى خطوتين:
    1- مرونة تنظيمية: تشريعات مشابهة لـ PDR في بريطانيا، تسهل تغيير الاستخدام وتقدم إعفاءات أو حوافز للمطورين الذين يحيون المباني القديمة.
    2- جرأة استثمارية: مطورون عقاريون مستعدون للخروج من الصندوق، واستخدام التكنولوجيا (مثل خوارزميات التقييم) لاقتناص المباني المناسبة للتحويل.