العقار المستدام.. تكلفة إضافية أم قيمة استثمارية؟

الاستدامة في العقار السعودي تتحول من كلفة إنشائية إضافية إلى عامل يخفض التشغيل ويعزز العائد وقيمة إعادة البيع.

الذكاء الاصطناعي في العقارات

Posted in

لفترة طويلة، كان الاستثمار في الاستدامة يُنظر إليه باعتباره تكلفة إضافية يتحملها المطور من أجل رفع كفاءة المبنى وتقليل أثره البيئي. لكن هذه النظرة بدأت تتغير مع انتقال السوق العقاري من التركيز على تكلفة الإنشاء إلى حساب تكلفة امتلاك وتشغيل العقار طوال دورة حياته.

في السعودية، لم تعد الاستدامة مجرد توجه مستقبلي. ففي عام 2025 تجاوزت المساحات الحاصلة على شهادات المباني الخضراء مليون متر مربع ضمن 6,662 مشروعًا، وفق بيانات المنتدى السعودي للأبنية الخضراء. كما أشارت البيانات إلى أن هذه المشاريع تسهم في خفض نحو 62.8 ألف طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنويا. لكن القيمة الاقتصادية للاستدامة تبدأ من مكان آخر فاتورة التشغيل. فالمبنى الأكثر كفاءة في استهلاك الكهرباء والمياه لا يحقق فقط مكاسب بيئية، بل يخفض المصروفات المتكررة على المالك أو المستأجر. ومع ارتفاع أهمية تكاليف التشغيل والصيانة في قرارات الاستثمار، يصبح الفرق بين مبنى عادي وآخر عالي الكفاءة جزءًا من العائد على الاستثمار، وليس مجرد ميزة تصميمية.

وتكشف دراسة حديثة لـ Knight Frank أن 48% من المشترين الدوليين المهتمين بالعقار في السعودية يعتبرون كفاءة الطاقة من أهم خصائص الاستدامة، بينما اختار 46% كفاءة المياه و 44 جودة الهواء وأنظمة التهوية. وهذا يعنى أن خصائص الاستدامة بدأت تدخل فعليا في معادلة اختيار العقار، خصوصا لدى المشترين القادمين من أسواق أكثر نضجا في هذا المجال.
وتزداد أهمية هذه النقطة عندما ننتقل من قرار الشراء إلى قيمة إعادة البيع. فالعقار الذي يستهلك طاقة أقل، ويوفر بيئة داخلية أفضل، ويحمل شهادة استدامة موثوقة، قد يمتلك قدرة أكبر على الاحتفاظ بجاذبيته أمام عقار تقليدي مع مرور السنوات. وعلى الجانب الآخر، قد تواجه المباني القديمة منخفضة الكفاءة خطرًا متزايدًا من أن تصبح أقل جاذبية للمستأجرين والمستثمرين، وهي ظاهرة بدأت مؤسسات عقارية عالمية تصفها بمخاطر “التقادم” المرتبطة بارتفاع متطلبات السوق.

وفي المملكة، تتجه المنظومة التنظيمية نفسها إلى ترسيخ هذا المفهوم. فقد شهد برنامج «البناء المستدام نموا بنسبة 32% في عدد المشاريع المستفيدة من تقييم الاستدامة خلال 2024، لتصل إلى 75 مشروعا بمساحة قاربت 47 مليون متر مربع. كما يغطي التقييم كفاءة الطاقة والمياه وجودة الحياة والتشغيل والصيانة.
لكن ذلك لا يعنى أن كل استثمار في الاستدامة يحقق عائدًا تلقائيًا. فالعائد يعتمد على تكلفة التكنولوجيا، وحجم المبنى، وطبيعة استخدامه، والمناخ، وفترة استرداد الاستثمار. تركيب أنظمة عالية الكفاءة دون دراسة دورة حياة الأصل قد يرفع تكلفة الإنشاء دون أن يحقق وفورات كافية.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد كم ستكلف الاستدامة؟ بل كم ستكلفنا عدم الاستدامة؟
ومع نضج السوق العقاري السعودي، يبدو أن المعادلة تتغير تدريجيًا. فالعقار الأكثر قيمة مستقبلا لن يكون بالضرورة الأرخص عند البناء، وإنما الأصل الذي يحقق توازنا أفضل بين تكلفة الإنشاء، وتكلفة التشغيل، وجودة الاستخدام، وقيمة إعادة البيع.

ومن هنا تتحول الاستدامة من بند في قائمة المواصفات إلى عنصر من عناصر القيمة الاستثمارية للعقار؛ وهو تحول قد يصبح أكثر وضوحًا كلما أصبح المستثمرون والمشترون أكثر اهتمامًا بما سيدفعونه بعد شراء العقار، وليس فقط بما سيدفعونه عند شرائه.
@ArchHesham