عثمان تشليكَر
على مدى عقود، ارتكز تقييم العقارات التجارية على ثلاثة عناصر رئيسية: الموقع، والمساحة، والمواصفات الفنية، ولا تزال هذه العوامل تحتفظ بأهميتها حتى اليوم، لكنها لم تعد وحدها كافية لتفسير ما يجعل بيئة العمل ذات قيمة حقيقية، أو لماذا تنجح بعض المساحات في استقطاب الناس، بينما تعجز أخرى، رغم امتلاكها مواصفات مماثلة على الورق، عن تحقيق الأثر نفسه.
فالسبب يكمن في أن الأشخاص الذين يستخدمون هذه المباني قد تغيروا، بينما لم تواكب المباني هذا التغيير بالسرعة الكافية. لقد شهدت طرق عيشنا وعملنا وتواصلنا تحولات عميقة، وأؤمن بأن الفصل المقبل من مسيرة قطاعنا لن تحدده المباني بقدر ما ستحدده احتياجات الإنسان وسلوكياته.
السوق يكافئ اليوم بيئات العمل الأفضل
لم يعد هذا التوجه مجرد فكرة نظرية أو رؤية للمستقبل، بل أصبح واقعاً ملموساً يتجلى بوضوح في أحد أكثر أسواق العقارات التجارية تنافسية في العالم، وهو دبي. فقد بلغ معدل الشواغر في المكاتب الفاخرة خلال الربع الأول من عام 2026 نحو 0.7% فقط، فيما ارتفعت إيجارات المكاتب الفاخرة بنسبة 17.2% على أساس سنوي، وسجلت إيجارات مكاتب الفئة أ نمواً بنسبة 19% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفقاً لبيانات ” JLL”.
ووُصف هذا التوجه بأنه “التحول نحو الجودة”، حيث باتت الشركات والمستأجرون يفضلون بيئات العمل التي تقدم تجربة متكاملة تتجاوز المفهوم التقليدي للمكاتب. وتحمل هذه الأرقام رسالة واضحة؛ فالطلب لم يعد يتركز على زيادة المساحات فحسب، بل على تحسين جودتها. ومع محدودية المعروض من المساحات عالية الجودة، واحتدام المنافسة بين الشركات لاستقطاب الموظفين إلى بيئات عمل يرغبون فعلاً في الوجود فيها، أصبحت التجربة هي العامل الحاسم في اتخاذ القرار.
المكتب وجهة يختارها الناس
ولا يقتصر هذا التحول في السلوك على دبي وحدها، بل أصبح ظاهرة عالمية. فقد أظهر استطلاع جينسلر العالمي لبيئات العمل 2025، الذي شمل أكثر من 16,800 موظف مكتبي في 15 دولة، أن 14% فقط من المشاركين يفضلون بيئة العمل المؤسسية التقليدية. وبات الموظفون اليوم يبحثون عن مساحات أقرب في جوهرها إلى تجارب الضيافة منها إلى المكاتب التقليدية؛ أماكن تمنحهم شعوراً بالراحة، وتعزز التواصل، وتوفر بيئة أكثر إنسانية وطبيعية. وتخلص جينسلر إلى أن التصميم لم يعد مجرد عنصر جمالي أو خلفية للمكان، بل أصبح محركاً أساسياً للأداء والانتماء، يحوّل بيئة العمل إلى وجهة يختار الناس الذهاب إليها بإرادتهم. وهذه الكلمة، “وجهة”، تعبّر تماماً عن الطريقة التي ننظر بها اليوم إلى بيئة العمل. فلم يعد السؤال: كيف نبني مكتباً جديداً؟ بل أصبح: كيف ينبغي أن يشعر الناس عندما يدخلون إليه؟
الرئيس التنفيذي لمجموعة إرث رؤية العقارية








