كثيرًا ما يُسأل المستشار القانوني سؤالًا يبدو كافيًا لاتخاذ القرار:
«هل هذا الإجراء نظامي؟»
وحين تكون الإجابة بالإيجاب، يشعر متخذ القرار بأنه حصل على ما يحتاجه، وينصرف إلى التنفيذ مطمئنًا.
لكن التجربة العملية علمتني أن هذا السؤال، رغم أهميته، لا يكفي وحده. فالقرار قد يكون صحيحًا من الناحية القانونية، ومع ذلك لا يكون قرارًا جيدًا من الناحية المؤسسية. إن القانون يجيب عن مشروعية القرار، لكنه لا يضمن دائمًا قابليته للاستمرار.
فالقرارات لا تعيش في فراغ. إنها تتحرك داخل بيئة تتغير باستمرار؛ تتغير الإدارات، وتتبدل الأسواق، وتصدر تشريعات جديدة، وتتطور الممارسات الرقابية، وتتغير توقعات المتعاملين مع المؤسسة. وما يبدو اليوم قرارًا مثاليًا، قد يتحول بعد سنوات إلى عبء يصعب الدفاع عنه أو الاستمرار في تطبيقه.
ولهذا فإن المستشار القانوني لا ينبغي أن يتوقف عند حدود السؤال: «هل يجوز؟»
بل عليه أن يضيف سؤالًا آخر أكثر عمقًا: «هل سيظل هذا القرار مناسبًا إذا تغيرت الظروف التي بُني عليها؟». لقد رأيت لوائح داخلية كانت متقنة عند إعدادها، لكنها أصبحت بعد سنوات عائقًا أمام العمل لأنها صيغت لمعالجة ظرف مؤقت، ثم استمرت وكأنها قاعدة دائمة.
ورأيت عقودًا تحقق حماية كبيرة لأحد الأطراف، لكنها فقدت قيمتها عندما تغير نموذج الأعمال، وأصبح تعديلها أكثر كلفة من الاستفادة منها.
كما رأيت قرارات إدارية صحيحة نظامًا، لكنها استندت إلى افتراضات لم تُراجع مع تغير الواقع، فتحولت من عنصر قوة إلى مصدر للمخاطر. وهذا ما يميز التفكير القانوني الاستراتيجي عن التفكير القانوني التقليدي. فالتفكير التقليدي يبحث عن القرار الصحيح في لحظة معينة.
أما التفكير الاستراتيجي، فيبحث عن القرار الذي يستطيع أن يبقى صحيحًا، أو على الأقل قابلًا للتكيف، عندما تتغير الظروف. ومن هنا، فإن جودة الرأي القانوني لا تُقاس فقط بسلامة استدلاله، بل أيضًا بمرونته.
فالاستشارة التي تفترض أن جميع الوقائع ستبقى ثابتة، هي استشارة تعيش في عالم لا وجود له. أما الاستشارة التي تحدد افتراضاتها بوضوح، وتبين ما الذي قد يستدعي إعادة النظر فيها مستقبلًا، فإنها تمنح الإدارة أداة لاتخاذ القرار، لا مجرد إذن بالمضي فيه. ولهذا فإن المؤسسات الأكثر نضجًا لا تعتمد قراراتها ثم تنساها، بل تراجعها دوريًا، ليس لأنها تشك في صحتها، وإنما لأنها تدرك أن البيئة التي أُنشئت فيها لم تعد هي نفسها.
فالقرار القانوني، مثل أي أصل استراتيجي، يحتاج إلى مراجعة وصيانة، لا إلى حفظه في الأرشيف.
ولهذا أرى أن السؤال الحقيقي ليس: «هل القرار صحيح اليوم؟»
بل: «هل صُمم هذا القرار بحيث يستطيع أن يظل صالحًا عندما يتغير الغد؟» فهنا يظهر الفرق بين من يستخدم القانون لتبرير القرار…
ومن يستخدمه لبناء قرار يستطيع أن يصمد أمام الزمن.
@Dr_alkharji
محامٍ وخبير حوكمة وامتثال







