النزاعات العقارية التجارية.. لماذا تتصاعد رغم تطور الأنظمة؟

تصاعد النزاعات يرتبط بضعف الصياغة التعاقدية وغياب الحوكمة وإدارة المخاطر، لا بنقص الأنظمة العقارية المتطورة.
قانون الإثبات -المعاملات العقارية- نظام الشركات

نشر في

شهد القطاع العقاري في المملكة خلال السنوات الأخيرة تطورًا تنظيميًا وتشريعيًا متسارعًا، انعكس على تحسين البيئة الاستثمارية ورفع مستوى التوثيق والتنظيم والرقابة، ومع ذلك لا تزال النزاعات العقارية التجارية في تصاعد مستمر، سواء بين المطورين والمستثمرين، أو بين الشركاء، أو بين الملاك والمشغلين والممولين والمقاولين.

وهنا يبرز سؤال مهم:
إذا كانت الأنظمة تتطور باستمرار، فلماذا لا تزال النزاعات العقارية تتزايد؟
الواقع العملي يؤكد أن المشكلة في كثير من الأحيان لا تكمن في غياب الأنظمة، بل في طريقة إدارة العلاقة التعاقدية والتنفيذية منذ البداية.
فكثير من المشاريع العقارية تبدأ بحماس استثماري مرتفع، بينما يتم التعامل مع الجوانب القانونية والتنظيمية باعتبارها مرحلة لاحقة أو إجراءات شكلية، فينشأ الخلل مبكرًا قبل أن يظهر النزاع فعليًا.

ضعف الصياغة التعاقدية
ومن أبرز أسباب تصاعد النزاعات العقارية التجارية ضعف الصياغة التعاقدية، إذ لا تزال بعض العقود تُبنى على عبارات عامة أو غير دقيقة، أو يتم نسخ نماذج جاهزة لا تعكس طبيعة المشروع الحقيقي، مما يفتح الباب لاختلاف التفسيرات وتضارب الالتزامات عند أول أزمة تشغيلية أو مالية.
كما أن كثيرًا من العقود تركز على مرحلة التوقيع أكثر من تركيزها على مرحلة التنفيذ، بينما الواقع يثبت أن أغلب النزاعات لا تنشأ عند كتابة العقد، وإنما عند تغير الظروف، أو التأخر، أو التعثر، أو اختلاف التوقعات بين الأطراف.

غياب الحوكمة داخل المشروع
ويزداد الأمر تعقيدًا عندما تغيب الحوكمة الواضحة داخل المشروع العقاري، فتتداخل الصلاحيات، وتتعدد مراكز القرار، وتضعف الرقابة على الجوانب المالية والتنفيذية، مما يؤدي إلى تضخم الخلافات وتحولها من إشكالات تشغيلية بسيطة إلى نزاعات قضائية وتجارية معقدة.

ومن الإشكالات المتكررة كذلك ضعف إدارة المخاطر القانونية، إذ تتعامل بعض الكيانات العقارية مع المخاطر باعتبارها احتمالات بعيدة، بينما المشاريع العقارية بطبيعتها ترتبط بمخاطر متعددة:
تنظيمية، وتمويلية، وإنشائية، وتسويقية، وتشغيلية، وتعاقدية. وأي خلل في إدارة هذه الجوانب قد ينعكس مباشرة على استقرار المشروع والعلاقات التعاقدية المرتبطة به.

ضعف الإفصاح والوضوح بين الأطراف
كما أن بعض النزاعات لا يكون سببها الخطأ النظامي بقدر ما يكون نتيجة ضعف الإفصاح والوضوح بين الأطراف، فكلما ارتفع مستوى الشفافية منذ البداية، انخفضت احتمالات النزاع لاحقًا.
ولهذا فإن كثيرًا من القضايا العقارية الكبرى كان يمكن تقليل آثارها أو منعها أصلًا لو وُجد:
عقد احترافي واضح.
توزيع دقيق للمسؤوليات.
آليات واضحة لاتخاذ القرار.
إدارة فعالة للمخاطر.
رقابة داخلية حقيقية.
توثيق منظم للمراسلات والالتزامات.

الإدارة القانونية المحترفة “وقاية”
ومن المهم إدراك أن القضاء — مهما بلغت كفاءته — يأتي غالبًا لمعالجة آثار المشكلة بعد وقوعها، بينما الإدارة القانونية الاحترافية تهدف أساسًا إلى منع النزاع أو تقليل احتمالاته قبل الوصول إلى مرحلة التقاضي.
وفي ظل التوسع الكبير في المشاريع العقارية والاستثمارات المرتبطة بها، أصبحت الحاجة ملحّة إلى رفع الوعي القانوني والإداري داخل القطاع العقاري، ليس فقط من زاوية الامتثال للأنظمة، بل من زاوية بناء بيئة تعاقدية وتنظيمية مستقرة وقادرة على الاستمرار.

فاستقرار السوق العقارية لا يتحقق فقط بوجود الأنظمة، وإنما كذلك بجودة التطبيق، ووضوح العقود، وكفاءة الإدارة، وارتفاع مستوى الحوكمة والشفافية داخل المشاريع.
ولهذا فإن مستقبل القطاع العقاري لن يُقاس فقط بحجم التطوير أو ارتفاع الأسعار، بل كذلك بمدى قدرة الكيانات العقارية على إدارة علاقاتها والتزاماتها ومخاطرها بطريقة احترافية تقلل النزاعات وتحمي الاستثمار وتحقق الاستدامة.
@Dr_alkharji