خدعة المساحات.. عندما تدفع ثمن متر لا تملكه

تكمن المشكلة في الخلط بين «المساحة الإجمالية» (التي تشمل الأجزاء المشتركة، الارتدادات، والأسطح غير المسجلة) و«المساحة الصافية»
التطوير العقاري- هندسة المساحات

نشر في

في سوق العقارات السكنية المتسارع، يواجه الكثير من المشترين صدمة غير متوقعة عند استلام وحداتهم السكنية: المساحة الفعلية أصغر بكثير مما تم التسويق له. هذه الظاهرة، التي تُعرف بـ «الفجوة المساحية»، ليست مجرد خطأ في التقدير، بل هي نتيجة لممارسات تسويقية تستغل غياب التوحيد القياسي في حساب المساحات.

جذور المشكلة: ما بين التسويق والصك
تكمن المشكلة الأساسية في الخلط المتعمد بين «المساحة الإجمالية» (التي تشمل الأجزاء المشتركة، الارتدادات، والأسطح غير المسجلة) و«المساحة الصافية» (المسجلة فعلياً في الصك العقاري). في كثير من الحالات، يتم تسويق شقة على أنها بمساحة 200 متر مربع، بينما لا تتجاوز المساحة المسجلة في الصك 140 متراً مربعاً. هذا الفارق، الذي قد يصل إلى 30%، يعني أن المشتري يدفع مبالغ طائلة مقابل أمتار لا يملكها قانونياً.

التحايل على رخص الإشغال
تتفاقم المشكلة مع لجوء بعض المطورين إلى ممارسات غير نظامية، مثل إغلاق الارتدادات الجانبية أو إضافة ملاحق في الأسطح بعد صدور رخصة الإشغال (شهادة إتمام البناء)، هذه التعديلات، رغم أنها تزيد من المساحة القابلة للاستخدام ظاهرياً، إلا أنها غير مسجلة في الصك، مما يعرض المالك لمخاطر قانونية ومالية جسيمة، تشمل غرامات البلدية، وإلزامية إزالة المخالفات على نفقته الخاصة.

التكلفة الحقيقية للمتر المربع
عند حساب التكلفة الفعلية بناءً على المساحة المسجلة في الصك فقط، يكتشف المشتري أن سعر المتر المربع أعلى بكثير مما كان يعتقد. فإذا تم شراء شقة مسوقة بـ 160 متراً مربعاً بسعر 1.2 مليون ريال، فإن السعر المعلن للمتر هو 7,500 ريال. ولكن، إذا كانت المساحة في الصك 120 متراً فقط، فإن السعر الفعلي يقفز إلى 10,000 ريال للمتر المربع. ومع احتساب مخاطر الإزالة والغرامات، قد تتجاوز التكلفة الحقيقية 11,500 ريال للمتر.

المقارنة الدولية: الحاجة إلى معايير صارمة
عند مقارنة السوق المحلي بأسواق عالمية مثل دبي، المملكة المتحدة، وأستراليا، نجد أن هذه الدول تطبق معايير صارمة تلزم المطورين بالإفصاح عن المساحة الصافية بشكل منفصل عن المساحات المشتركة أو البلكونات. في دبي، على سبيل المثال، يتم تحديد المساحة الصافية بدقة، وتُفرض عقوبات صارمة على أي تضليل في التسويق العقاري.

الفرصة للمطورين الشفافين
رغم هذه التحديات، تبرز فرصة ذهبية للمطورين العقاريين الذين يتبنون الشفافية كقيمة أساسية، المطور الذي يفصح بوضوح عن المساحة الصافية والمساحات الإضافية يبني ثقة مستدامة مع عملائه، مما يقلل من النزاعات القانونية ويعزز من سمعته في السوق. الشفافية ليست مجرد التزام قانوني، بل هي ميزة تنافسية تضمن استدامة الأعمال في سوق يزداد وعياً.

الخلاصة
إن معالجة «خدعة المساحات» تتطلب تضافر الجهود بين الجهات التنظيمية لتوحيد معايير القياس، والمطورين لتبني الشفافية، والمشترين لزيادة وعيهم بحقوقهم. فقط من خلال الوضوح التام يمكننا بناء سوق عقاري صحي ومستدام يحمي استثمارات الأفراد ويعزز الثقة في القطاع.